صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ١٢٧

والضّمير في قوله ﴿تَنَازَعْتُمْ﴾ راجع للذين آمنوا، وهو شامل لكلّ من يمكن أن يقع التّنازع بينهم ما عدا رسول الله إذ قال تعالى عنه: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الاَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الحج:67).

كما أن لفظ "شَيْءٍ" في حيّز الشّرط يفيد العموم، والمقصود به تعميم أنواع الحوادث التي يمكن أن يكون فيها خلاف. ومعلوم أنّه لا يتأتّى هذا التّحاكم إلى الله والرّسول من ذوي الرّأي والعلم والنّظر إلا بمراقبة الله تعالى في طلب الحق والرّكون إليه عند النّزاع والخلاف، ولذلك جيء لهذا التّحذير الإلهيّ في صيغة الشّرط الدّالة على كمال الإيمان: ﴿إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذاَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾.

نعم، إنّه خير لما فيه من النّفع لجماعة المسلمين في المحافظة على وحدة صفهم وجمع كلمتهم، فإذا كانت تلك هي مثالية الدّين -أي التّحاكم إلى الله ورسوله- فإنّ واقع كثير من النّاس بالأمس واليوم وإلى ما يشاء الله هو على غير ذلك، إذ يتحاكمون إلى الطّاغوت -والذي هو بمعنى الطّغيان الكبير- ممن يرغب عن الحق إلى الباطل. فقد رسم الله لهؤلاء صورة سوداء قاتمة، فهم إذ يصدّون عمّا أنزل الله فليس لهم من الإيمان إلا الزّعم الباطل، لأنّ قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَّتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يدلّ على أنهم لا يقومون لذلك عن جهل ولا عن سوء تقدير، وإنّما هم على علم ويقين بما يفعلون. ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدُ امِرُواْ أَنْ يَّكْفُرُواْ بِهِ﴾، إذ أن الأمر بعبادة الله والإيمان به، والكفر بالطّواغيت هو القاسم المشترك الذي تتفق عليه جميع الأديان. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَن اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ (النحل:36).

١٢٧ / ١٥٤