صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ١٣١

فيا أيها الإخوة المؤمنون، إنّنا لا نزكّي أنفسنا على الله فندّعي الوقوف عند حدود الله والالتزام بأحكام شريعته الغرّاء، فلسنا بدعا من المجتمعات الإسلامية في ما أصابها من خمول وركود، ومن ضعف الوازع الدّيني وتهافت على بريق الحضارة المادية الخانقة. صحيح بأنّ مجتمعنا نبت على تربة الدّين الحنيف، وما يزال يتمتع برصيد كبير من تراثه الخالد، ولكن صراع البقاء بكلّ ما فيه من تناقضات قد أخذ يقرّح جسم مجتمعنا ببثور لا تندمل، ويترك آثارا نائية في مسار تاريخنا لا تضمحلّ.

فإذا أسقطنا مدلولات النّصّ السّابق على واقعنا، فإننا -ولا شك- نجد في صرخنا الشّامخ ثغرات تهدّد كياننا بتخلخل أسسه واهتزاز أركانه ما لم نتداركه بالتّرميم والتّركيز، فمن لنا بتلكم الطّاعة المثلى لله ورسوله، ولولاة أمورنا؟، فهذه مثلا مواثيق اتفاقياتنا الجماعية، وهي متركزة على الشّورى والتّعاون كما أمر الله، لا تكاد تحظى من كثيرنا بالوفاء والالتزام. وهؤلاء شبابنا -وقد أبطرتهم النّعم- لا يولون لآبائهم وشيوخهم ما يستحقون من التّقدير والإحترام، وتلك نساؤنا وشابّاتنا قد شغفن بأزياء الموضة والخلاف، وقلّ منهن الحياء والتّصوّن والاحتشام.

فرحم الله أسلافنا في ما وضعوه لهذا المجتمع من زواجر وضوابط هي كلّها مستمدّة من روح هذه الآيات البيّنات، إذ كانوا يتبّرأون من كل مجاهر بالكبائر أو مستخفّ بقرارات الجماعة، ثم لا يقبلون منه التّوبة والاستغفار إلاّ في إطار بيوت الله، ليستغفروا له جميعا في مشاركة وجدانية مخلصة تكون مظنة لاستجابة ذلك الدّعاء، وحافزا للمذنب في الإنابة إلى الله والاستقامة على نهج الصّلاح والتّقوى. وهل أصبحت اليوم تلك الأعراف والسّنن مجرّد ذكريات تجاوزها الزّمن، وعادات بالية غمرها طوفان التّطوّر وشابها الضّعف والوهن.

١٣١ / ١٥٤