-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ١٣٥أيها الإخوة المؤمنون، إنّ الفتنة شرّها مستطير، لا يستقيم معها عمران، ولا يثبت على تربتها بنيان، ولذلك حذّرنا الله منها بعد أن دعانا إلى الطّاعة والانضباط، ولزوم الجماعة ومداومة التّعاون والرّباط، فقال جلّ من قائل: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ (إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُواْْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال:24 - 25).
أجل إنّ الفتنة أشدّ من القتل كما وصفها القرآن الكريم، وهي تنجرّ عن الإحن والبغضاء في مجال العشرة والمخالطة، وعن التّعالي والكبرياء حين يتألّه النّاس بعضهم على بعض فيركبهم الغرور ويطوّح بهم منطق الغاب، فلا يتعاملون إلا بلغة الظّفر والنّاب.
ومن أغرب التّناقضات في هذا الإنسان أن يمتلكه الخوف والهلع أمام بأس الله ونقمته فلا يجد مفزعا إلا إليه ويلوذ بكنفه، حتىّ أولئك الذين كانوا بالأمس جبابرة عتاة ساخرين، إذا انكشف الضّرّ وانجلت الغمّة عادوا إلى ما كانوا عليه من البغي والطّغيان. وكم ندّد القرآن الكريم بذلك الموقف الشّائن، وعزاه إلى ضعف الوازع الدّيني معتقدا وسلوكا، فقال عزّ من قائل:
أ) - ﴿فَلَمَّا جَآءَتهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ’ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمُ (إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (غافر:83 - 85)