صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ١٣٧

نعم، إنّها الدّعوة إلى التّسامح والرّحمة وهما في قمة الأخلاق الاجتماعية التي جسّدها نبيّ الرّحمة في واقع الحياة نظاما شرّعه دستور السّماء، وسلوكا بين الأصحاب، ومحا كلّ أثر للإحن والبغضاء، فكانوا بشهادة الله الأعزة الرّحماء فقال تعالى ممتنا على رسوله: ﴿هُوَ الذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُومِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ (إِنَّهُ’ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال:62 - 63).

ولكنّنا نجد هذا الإنسان ذاته، وهو الهلوع أمام بأس الله، نجده لا يولي اهتماما لما يتسبّب فيه هو من شرّ، وما يبديه من بطش وبأس على بني جنسه تسلّطا وبغيا، وهو في انتفاخه وغروره لا يأبه بما يلحق الآخرين من جرّاء تصرفاته الرّعناء، لا يردعه وازع من الأخلاق، بله أن يتذكر في جبروته قوة الباري الخلاّق، وصدق المولى إذ يقول: ﴿كَلآَّ إِنَّ الاِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّءاهُ اسْتَغْنَى﴾ (العلق:6 - 7).

أيها الإخوة المؤمنون، لقد عرفت بلادنا ذلك النّوع من السّلوك المنحرف حين تاه شعبنا في متاهات التّحزب والتّشرذم، وحين فتح الله عليه أبواب الخيرات، وأغدق عليه ألوانا من النّعم والطّيّبات، حتى امتلأت البطون واحتدمت الشّهوات. وقديما قال الحكماء: "إن الهزيل إذا شبع مات".

نعم، إنه الموت الأدبي والخواء الرّوحي، وهو أنكى على حياة الأمم من المرض والوباء ومن كل أنواع البلاء، فلا أدلّ على ذلك من تجربتنا القاسية في العشرية السّوداء، ذلكم العهد المشؤوم الذي يندرج في أنواع البلايا التي يسلّطها الله على عباده تربية وتأديبا علّهم يزدجرون فقال تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (الأنعام:65).

١٣٧ / ١٥٤