صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ١٣٨

فإذا كان الأديب الجزائري الكبير البشير الإبراهيمي في تخليد ذكرى يوم 08 ماي 1945م يوم الفاجعة الكبرى في ظلّ الاستعمار البغيض قال: "يا يوم! لله دماء بريئة أريقت فيك، ولله أعراض طاهرة انتهكت فيك، ولله أموال محترمة استبيحت فيك، ولله يتامى فقدوا العائل الكافي فيك، ولله أيامى فقدن بعولتهن فيك. يا يوم! لك في نفوسنا السّمة التي لا تمحى، والذّكرى التي لا تنسى. فكن من أية سنة شئت فأنت يوم الثامن ماي وكفى. وكلّ ما لك علينا من ديْن أن نحيي ذكراك، وكلّ ما علينا لك من واجب أن ندوّن تاريخك في الطّروس، لئلا يمسحه النّسيان من النّفوس"(1).

فماذا يقوله الكاتب الكبير لو قدّر له أن يعش مأساتنا الوطنية لا ليوم واحد ولكن لعشر سنوات كاملة من الفواجع والمصائب، ولا على الاستعمار وجلاّديه، ولكن في ظل الاستقلال الوطني وعلى يد أبناء جلدتنا وفي حواضر الوطن وأريافه وبواديه؟؟.

إنها لمفارقات عجيبة تصدر من قوم أخطأهم السداد والتّوفيق، فأشفق عليهم العدوّ قبل الصّديق.

فيا أبناء الجزائر، إن الدّاهية التي أصابتنا قد أذابت الشّحْم، وأكلت اللّحم، وهشمت العظم، ونحمد الله تعالى أنّنا في أسوأ الحالات وفي أحلك الظّلمات لم نفقد الصّريخ المنقذ، ولم نستسلم لليأس والقنوط، ولم تنطفئ في نفوسنا جذوة الأمل في الوصول إلى برّ الأمان، وقد سخّر الله لسفينة مجتمعنا أمهر الرّبان، ليعلن علينا ميثاق السّلم والمصالحة الوطنية، في أدقّ الأحكام وأفصح بيان، وفي أوسع مشورة تكون فيها كلمة الشّعب هي فصل الخطاب، وفي يوم 29 سبتمبر ينتظر منه حسن الجواب.

الخطبة الثّانية

(1) 1 - البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، 271 - 273.

١٣٨ / ١٥٤