-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ١٤٩وكأيّن من حاجّ ليس له من حجّه إلاّ النّصب والتّعب، إذا لم يكن من قصده تعظيم شعائر الله وإجلال حرماته، فلم يخفق له جنان، ولم تدمع له عين، ولم يهتز لجلال الموقف، لأنّه ذهب بروح السّائح الذي لم يتجرّد عن واقعه، وبنظرة التّاجر الذي لم يتخلّ عن مطامعه.
أيّها الوفد الكريم، إنّنا لنربأ بكم أن تكونوا من هؤلاء، ورجاؤنا في الله وطيد أنّكم رجعتم اليوم غيرَكم بالأمس، رجعتم في طهر الوليد، وإخلاص الخليل، وتضحية إسماعيل، وعزيمة سيّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الأكرمين، أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم.
فما أحوجنا -نحن المسلمين- في هذه الظّروف القاسية التي يمرّ بها العالم الإسلامي، ما أحوجنا إلى التّحلّي بهذا الوصف الإلهي الكريم، شدّة وغلظة على الكفّار والمنافقين، ورحمة ولين وتواضع للإخوة المؤمنين، ولا يتأتّى لنا ذلك إلاّ إذا طرحنا عبادة أنفسنا، ونبذنا عبادة الأشخاص والأهواء إلى عبادة الله الواحد القهّار، ويومئذ لا يبقى الإسلام منزوياً في المساجد، ولا ينحصر في المظاهر والشّعارات، بل ينطلق كالسّيل الجارف كعهده أيّام رسول الله وصحابته، يدكّ صروح الطّغيان، ويكتسح ممالك الشّيطان، وينشر الرّحمة والعدل في ربوع العالمين. ولقد أدرك أعداؤنا هذه الطّاقة الجبّارة في ديننا، فعملوا على كبتها بكلّ الوسائل، فهذا "جلادستون" الوزير البريطاني يُنادي في مجلس العموم: "لن يهدأ بال الأوربّيين ما دام للمسلمين أربعة: المصحف، والأزهر، واجتماع الجمعة، ووفد الله لحَرَمِه".
ومن لُطف الله بالمسلمين أنّهم ما يزالون يمتلكون هذه الوسائل الأربعة، فما عليهم إلاّ أن يُحسنوا استغلالها لكي تشتعل هذه الجِذوة المقدّسة في قلوبهم، جذوة الإيمان والإخلاص لله تعالى، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.