-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٢٠فيا أيها الإخوة المؤمنون، إنّ الفقر ظاهرة اجتماعية لازمت المسيرة البشرية منذ أن عرف النّاس الحياة الاجتماعية، ووضعوا معايير للتمايز والتّفاضل الاجتماعي، فكان فيهم حاكم ومحكوم وسيّد ومَسُود، وجليل وحقير، وغنّي وفقير. إلى غير ذلك من الصّفات التي اتخذوها ذريعة للتحكّم والتّسلّط ووسيلة للاستعلاء والاستغلال، وأحيانا يتخذونها مبرّرا للصراع والاقتتال.
ولذا فإنّ الرّسول الكريم لم يُبْعِد الفرق بين شرور الكفر والفقر ومفاسدهما، لأن التّعبير بـ"كاد" يدلّ على المقاربة، فإذا جاء الإسلام لمحاربة الكفر فهو بالتّبع يحارب الفقر بطرق إيجابية حكيمة، وهو وإن لم يجتثث جذور هاتين الآفتين من المجتمعات البشرية تماما، فقد خفّف من حدّتهما وقلّص من ويلاتهما. ذلك لأنّ الخالق الحكيم قد جعل من ذلك الاختلاف الطّبيعي في خلقه وسيلة للتّعارف والتّكامل والتّآزر، وإن اتخذها النّاس ذريعة للتّخالف والتّنافر. ففي مجال الخلق والإيجاد يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود:118 - 119). وقال في مجال الرّزق: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (النحل:71). وقال في سورة الزّخرف: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (32).