صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٢١

إذًا، فظاهرة الفقر لا يمكن أن تزول، لأن طبيعة الحياة كما سنّها خالقها تقضي أن يكون بين النّاس ضعيف وعاجز، وأرملة ويتيم، ومريض ومعوّق، كما تقضي من جهة أخرى أن يكون فيهم خامل وكسول، ومن هو كَلّ على مولاه. ولكنّ الذي يصعّد من حدّة أزمة الفقر في مجتمع ما هو اختلال موازين العدالة الاجتماعية في نظام الحكم وأعراف النّاس، حتى أصبحت معالجة أزمة الفقر من أكبر المشاكل التي تواجه الحكومات.

والإسلام -وهو دين العدل والمساواة والوسطية- عالج هذه الظّاهرة بحكمة وأناة، فلم يتعسّف على أصحاب الأموال لِيَكْبِت طموحاتهم ويبتزّ أموالهم، ولم يُغْرِ الفقراء بالتّلصّص على الأغنياء والتّحامل عليهم بالحقد والضغينة، بل وضع الضّوابط للشَّرَه المالي حتىّ لا يُكْتَسب بغير الحلال، واعتبر كلّ ضروب الثّروات أنها أموال الله استخلف فيها الإنسان، ليستثمرها ويصرفها في ما يحقّق المصالح العامّة ويوفّر ضرورات الخلائق، فقال جلّ من قائل: ﴿ءَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمُ (أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد:7).

وقضى الإسلام بتشريعاته العادلة أن تتوزع الثّروات وتتداول حتىّ لا تبقى حِكرا على أحد أو جماعة، ومنع كلّ ضروب الاستغلال في المجال الاقتصادي، فحرّم الرّبا وضروب القمار، ومنع الغشّ والاحتكار، ونهى عن كلّ تعامل غير مضبوط في نوعه أو عدده أو ملكيته، وحرّض المؤمنين أن يأكلوا من طعام أيديهم جهد المستطاع، وحمّل أولياء الأمور مسؤولية توزيع الثّروات العامّة بين النّاس بالعدل، مع ضمان تكافؤ الفرص لهم في العمل.

٢١ / ١٥٤