صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٢٧

ففي عِلْمِنا المُشَاهَد وفي واقعنا المعيش يبدو أن العقل البشريّ قد بلغ شأوا بعيدا في التّقدم العلميّ والتّكنولوجي، وهو الآن يخترق الآفاق ليعرف بعض أسرار الكون، ومع ذلك فسيظل الخلاف عميقا وواسعا بين أولئك العلماء، بل يكون -أحيانا- متناقضا في التّقديرات وإعطاء الحكم للحقائق والأشياء، فكيف يستطيع البشر أن يعتمدوا على هذا العقل وحده في كشف ما وراء المادة، وما يعّبر عنه القرآن بعالم الغيب، وهو أوسع آفاقا وأدقّ أسرارا؟.

وقد أعطى القرآن مثالا على ذلك العجز عندما سأل اليهود رسول الله عن سرّ الرّوح سؤال تعجيز وإعنات، فجاء الرّدّ الإلهي الفاصل بقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (85).

وفي نسق التّقرير لهذه الحقيقة الوجودية الغالبة على طبيعة البشر يقول المولى تبارك وتعالى في سورة الرّوم: ﴿وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ’ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (6 - 7).

إذن، لابدّ للنّاس من صفوة بشرية يختارها الله تعالى ويبعثها لهم لتبيّن الحق، وتكشف الحقيقة الغيبية بوحي من عالم الغيب والشّهادة، وبذلك تتجلّى رحمة الله بخلقه، ويتأكد لهم فضله وعدله، فلا يَدَعُهُم للحيرة والزّيغ والضّلال، ولا يحاسبهم إلا وفق ما أنزله على أولئك الأفذاذ من الرّجال.

٢٧ / ١٥٤