صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٣٣

تجيء هذه الآيات الكريمات في سورة المائدة بعد التّنويه بشأن التّوراة والإنجيل وما فيهما من هداية ونور لأتباعهما لو أنّهم لم يخونوا بالتّحريف والتّبديل. تجيء بعد ذلك للتنويه بشأن القرآن، وتأكيد مصداقيته وهيمنته، لأنه يصدّق بما جاء في الكتب المتقدمة، ويؤمن بما جاء به موسى وعيسى، ثم هو يكشف ما وقع فيه اليهود والنّصارى من تحريف الكَلِم عن مواضعه، فكان القرآن هو الكتاب الحامل للدّين الأخير المرتضى من الله لخلقه أجمعين. وبالتّالي يبقى هو المرجع النّهائي في كلّ خلاف يقع بين أتباع الدّيانات السّماوية كلها، أو بين أتباع هذا الدّين الأخير. ومن ثمّ كان للقرآن معنى الهيمنة أي المحافظة والمراقبة لبيان وجه الحق في الكتب المتقدمة، ولكشف ما طرأ عليها من تحريف أو نسيان.

ويعجب المرء لذلك التّأكيد الإلهي في أمره لرسوله أن يحكم بما أنزل الله إليه، ولذلك التّحذير الشّديد من الوقوع في فتنة أهواء النّاس، ممّا يوحي بضخامة المسؤولية في التّبليغ والإرشاد، كما يصوّر مدى مكر اليهود وكيدهم في مجال الدّعاية والإغراء، فهم لا يألون جهدا في التّحيّل والمراوغة، بل حتى بالمساومة والمزايدة -أحيانا- في دين الله.

والنّاس منذ وجدوا على ظهر الأرض، واختلفوا في طبقاتهم الاجتماعية، قد درجوا على التّملّق والزّلفى لمن فوقهم، للإغضاء عن تطبيق بعض القوانين أو الأحكام، أو تأويل نصوصها وفق الرّغبات والشّهوات. غير أن رسول الله في مسار دعوته كان الحريص على المؤمنين في معاملتهم بالحسنى، حتىّ لا يفتنهم عن دينهم عرض من الدّنيا، ولكنّه لا يجامل أحدا في حقّ، ولا يساومه في دين الله.

٣٣ / ١٥٤