-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٣٤فإذا عرفنا أن اليهود -حسبما تذكره روايات أسباب التّنزيل- قد عرضوا على الرّسول أن يؤمنوا به، إن هو تسامح معهم في بعض الأحكام وفق ما يشتهون، علمنا فائدة هذا الأسلوب من الإرشاد الإلهيّ لرسوله بصيغتي الأمر والنّهي: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعَ اَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة:48). فلا مساومة في دين الله مهما كانت الملابسات والاعتبارات، فما هي علّة ذلك التّأكيد للرسول أن يحكم بما أنزل الله في شريعته؟.
إنّه تقدير الله الأزلّي وحكمته البالغة أن يختلف النّاس في مشاربهم وتوجّهاتهم، وفقا لاختلاف بيئاتهم وأحوالهم، فناسب أن يشرّع الله لكلّ أمّة ما يناسبها من الأحكام العملية التّطبيقية.
وإذا كانت أصول الدّين في العقيدة ومكارم الأخلاق متّفقة، فإن لكلّ رسول شرعته ومنهاجه في إصلاح أوضاع النّاس وإرشادهم حتى يتدرّجوا مع أقوامهم في سلّم الحضارة والتّمدّن على حسب استعداداتهم الفطرية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَجَعَلَكُمُ (أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة:48).