صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٣٦

وأمام الجاهلية الطّاغية يتهاوى المهزومون حين تساورهم الشّكوك، ويلحّ عليهم الواقع المعيش، فيركنون إلى الذين ظلموا ويرضون بحكم الجاهلية -حتى وهم مؤمنون بعدالة حكم الله-، ولكنّه إيمان غير يقيني، لا فعالية له في ضمير المسلم، بل هو إيمان ادعائي لا تنهض عليه دعوة ولا يقوم عليه بنيان. لأنّ الإيمان اليقيني هو الذي يدفع المؤمن إلى تجسيد ما يؤمن به في واقع الحياة مهما تطلّب ذلك من التّضحيات: ﴿وَمَنَ اَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:50). فاللّهم هب لنا حلاوة الإيمان وبرد اليقين غير ضالّين ولا مضلّين.

الخطبة الثّانية

الحمد لله العليّ العظيم، الهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد:

فيا أمة الإسلام: لنستمع إلى هذه القاعدة العامّة التي وضعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتمحيص الأحكام الشّرعية إذ يقول: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ (.(1) فقد اعتبرها العلماء أصلا من أصول الإسلام وقاعدة من قواعد الدّين، ذلك لأنّ الأدلة الشّرعية تعتمد في مرجعيتها على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى الإجماع والقياس والاستدلال، إلى غير ذلك ممّا هو مفصّل في أصول الفقه.

فإذا كان المصدر الأساسّي -وهو القرآن الكريم- قد تولّى الله حفظه على مرّ السّنين، فلم يستطع أعداء الإسلام أن يعبثوا بنصوصه، كما فعلوا بالتّوراة والإنجيل، فإن السّنة النّبوية -وهي البيان لما في القرآن- قد تعرضت لألوان من الوضع والتّزييف والكذب على رسول الله، تعصّبا لمذهب، أو خدمة لسياسة ما، أو ادّعاء لنبوءة، أو إسنادا لتأويل فاسد.

(1) 1 - رواه مسلم من حديث عائشة، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، حديث 3345

٣٦ / ١٥٤