-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٤٠ففي الرّبيع الزّمنيّ تتفتّق بذور الحياة، فتدبّ حركة النّماء والإزهار في جسم الطّبيعة بعد البيات الشّتويّ المؤقت، فإذا بها تكتسي حلّة زاهية وتتربّع على عرشها عروسا مزيّنة تتهيّأ للإثمار والإنجاب، ودورة الزّمن اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السّماوات والأرض، ترمز لها الأيام التي خلت من شهر ربيع الأول، كما يرمز الشّهر كلّه لربيع الحياة الرّوحية تفتّق عنها ميلاد الرّسول لسطوع شمسه على العالم تتوهّج بنور الهداية وتبعث دفء السّلم والأمان. فسبحان المدبّر الحكيم، وتبارك الله أحسن الخالقين إذ بدّد الظّلمات المادية بنور الشّمس، وبدّد الظّلمات الرّوحية والنّفسية بالنّور المحمّدي الوهّاج، فقال ممتنّا علينا بهذين النّورين: ﴿تَبَارَكَ الذِي جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ (الفرقان:61). ﴿يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ اِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً اِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ (الأحزاب:45 - 46).
وما محمد في زمرة رسل الله الكرام إلاّ هذه الشّمس السّاطعة، تجمّعت فيها أشعتهم الوضّاءة، فكان ذلك التّركيب النّورانيّ العجيب، مصدر الحياة ومستودع أسرارها. يقول الإمام البوصيريّ في هذا المعنى.
وكلّ آي أتى الرسل الكرام بها … فإنما اتّصلت من نوره بهم
وكلّهم من رسول الله ملتمس … غَرْفاً من البحر أو رشفاً من الدّيم