صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٤٢

ب) - ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُّومِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً، قُل لَّوْ كَانَ فِي الاَرْضِ مَلآَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً﴾ (الإسراء:94 - 95).

فالوحي والنّبوءة هبة ومنزلة لا ينالها الإنسان بجهده ولا بحيلته، بل هي منّة من الله يختار لها من يشاء من عباده، قال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاَتِهِ﴾ (الأنعام:124).

وقال: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (الحج:75).

وقد وضّحت الآية الكريمة ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾، وضّحت حكمة الله في تفاوت المواهب والحظوظ بين البشر ليتكامل النّاس في حياتهم الاجتماعية، والكلّ ميسّر لما خلق له، والكل في ورشة الحياة كادح لاكتساب رزقه من خلال خدمة الآخرين كما قال أبو العلاء المعريّ:

النّاس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

وهذا التّدبير الحكيم لشؤون الخلق هو من مظاهر رحمة الله الواسعة، غير أن لتلك الرّحمة أقساما تتفاوت قيمتها عند الله، لا بمعيار الدّنيا وزخرفها، ولكن بالقيم الرّوحية والمثل العليا: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، فما منزلة محمد في أقسام رحمة ربه؟

إنّه القمّة السّاميّة التي لا تُسَامَى، والرّحمة المهداة التي لا تُدَانَى، نقطة حُسْنٍ حيّرت الأفهام وأعيت الأقلام.

أعيا الورى فهم معناه فليس يرى … في القرب والبعد منه غير منفحم

فإن فضل رسول الله ليس له … حدّ فيعرب عنه ناطق بفم

فمبلغ العلم فيه أنه بشر … و أنه خير خلق الله كلّهم

٤٢ / ١٥٤