-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٥ثمّ لا يطمئنّ بظروفهم المعيشية مستقبلا، إلاّ أن يطلب لهم من الله كفالة من رزق ورواقا من أمن واستقرار، لا لزينة الحياة ومتاعها، ولكن لحسن عبادة الله وإقامة الصّلاة: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيَ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلَ اَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم:37).
ومن حقّ الأولاد على والديهم طلب الهداية والصّلاح لهم من الله تعالى في كلّ حالة، لأنّ في ذلك سكنا لهم وإيناسا، وقد أمر الله رسوله بذلك في قوله: ﴿خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمُ (إِنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة:103). كما دعا إبراهيم لذرّيته فقال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ (البقرة:128).
فبالله لهذا القلب الكبير كيف كان يتجاوب مع حقيقة الوجود ذكرا وشكرا لربّه الواحد الأحد، وهو يلهج بذلكم الدّعاء النّديّ في بقعة جدباء يسترزق لها ربَّ الموت والحياة، ليضمن لها البقاء ويوفّر لها الأمن والرّخاء، في ظلال الإيمان والعبادة.
أيّها المؤمنون، لنتأمل ذلك الرّبط في الآية الكريمة بين جدب الوادي وإقامة الصّلاة التي هي المرتكز في عبادة الله، فهل البطون الخاوية تقوى على عبادة الله؟، وهل النّفوس الخائفة تتفرغ لذكر الله؟. ولذا كان توفير الأمن والغذاء من أَوْلى انشغالات هذا الوالد الحنون لضمان مستقبل أولاده، غير أنّ ذلك يكون بالقدر الذي لا يُطْغِي ولا يُلْهِي. ولا يتحقّق ذلك إلاّ في الوادي الجديب، حيث لا تتجاوز زينة الحياة الحدود المعقولة، فتفضي بالنّاس إلى الطّغيان والكفران.