-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٥٢فيا أيها الإخوة المؤمنون: لقد قضت حكمة الله أن يصوّر هذا الإنسان في أحسن صورة وأكملها، وأن يزوّده بكلّ ما يوفّر له القيام بسدّ ضروراته الحيوية بسهولة ويسر، وذلك بتكامل قواه البدنية والنّفسية والعقلية، تكاملا يجعل منه إنسانا سويّا متأهّلا لأن يكون خليفة الله في الأرض إصلاحا وتعميرا، ونصرة للحق وتمكينا للعدل. ولكن هذا الإنسان مهما حظي بتلك المؤهّلات، فسيبقى ضعيفا عاجزا أمام تحدّيات الطّبيعة وتكاليف الحياة، إن هو آثر الانعزالية وأخلد إلى الفردية المقيتة.
ذلك لأنّ الإنسان مدنّي بطبعه كما يقوله الحكماء، لا يتوفّر له ما يريد إلاّ بالمجهود الجماعيّ، ولا يجد السّكينة والاطمئنان إلا في كنف جماعته وفي حمى سربه، كما صوّر رسول الله المجتمع المسلم الفاضل بالجسد الواحد، كل فرد فيه له مقامه المعلوم ووظيفته المناسبة. فمنذ بدء الخليقة والحكماء يحلمون بالمدينة الفاضلة، ويرسمون لها التّصاميم المطلوبة، ويضعون لها الأنظمة المناسبة، ولكن ذلك بقي حلما جميلا يدغدغ خيال أولئك الحكماء، ولم يستطيعوا تجسيده في الواقع المعيش. حتى جاء الإسلام بتعاليمه الحكيمة، التي تتجاوب مع الفطرة السّليمة التي فطر الله النّاس عليها، فاستطاع رسول الله، بعون من ربه، واستجابة من أصحابه، أن يحقق ذلك الحلم في الواقع المعيش، غطّى تلك الفترة الذّهبية من حياة الرّسول وأصحابه، وقد امتنّ الله عليه بقوله: ﴿هُوَ الذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُومِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِم لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ (إِنَّهُ’ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال:62 - 63).