-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٥٣والله أثبت ضعف الإنسان -وهو أعلم بمن خلق- فقال جلّ من قائل في سورة النّساء: ﴿وَخُلِقَ الاِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ (28). ولكنّه في كثير من إرشاداته يدعو إلى التّضامن والاعتصام بحبل الله، ويأمر بالتّعاون على البرّ والتّقوى، كما يندّد بالتّنازع والتّفرّق فيقول جلّ وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ (آل عمران:103). ويقول في سورة الأنفال: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (46).
فجعل تعالى من الاعتصام بحبل الله والاستقامة على صراطه مع الصّبر والمصابرة في تحقيق ذلك، أعظم وسيلة للوحدة والتّضامن، وأمتن رابطة للوفاق والانسجام.
فما أسعد أمّة تلوذ بركن ربّها محتمية به في العسر واليسر، مستعينة به في المنشط والمكره، إذ تصبح كما مثلها الرّسول كالجسد السّليم تتداعى أعضاؤه في الآلام والآمال.
أيها الإخوة المؤمنون: ذلك ما حاوله أجدادنا في مسيرتهم الطّويلة الشّاقة في تأصيل مقوّمات المجتمع الفاضل وفق مواصفات كتاب الله وسنة رسولهن فأرادوه لأبنائهم وأحفادهم مجتمعا ربّانيا سُدَاه بيت الله، ولحُْمَتُه المؤسسات الخيرية التي تنشر البرّ والإحسان، وتضمن بقاء المجتمع واستمراريته على مرّ الزّمان، وقد ناوشته في مسيرته الألفية منذ عهد الإمام أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي(1) أزمات، وضايقته تحديات من الدّاخل والخارج، فما وهن لما أصابه في سبيل الله وما استكان، ولا زهد في مقومات شخصيته ببريق الدّنيا ومغرياتها، ولا فرّط في خصوصياته تحت أيّ ضغط أو تأثير، حتى انتهت إلينا أمانته كاملة سليمة. فهل نحن محافظون عليها حتى نسلّمها للأجيال كما تسلّمناها نقية طاهرة؟.
(1) - هو الإمام الإباضي الذي أسّس حلقة العزابة في العطف عند تأسيسها سنة 409هـ