صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٥٤

قد يقول قائل: إنّ سنن الحياة وطبيعة العمران البشري يقتضي التّطوّر والتّغيير، فكيف نريد لأنظمتنا أن تبقى متحجّرة على نمط وحد من حياة ترجع إلى القرون الوسطى؟.

وهو اعتراض وجيه معقول، غير أن أيّ نظام مهما تكن أصوله الحضارية وأسسه التّربوية، وتصوّراته الإيديولوجية، لابدّ أن يكون له ثوابت ومتغيّرات، والنّظام الإسلامي الذي نحن من نتاجه وفي صلب مقوّماته، لم يشذّ عن هذه القاعدة الاجتماعية الأصليّة. فما كان مشائخنا -رحمهم الله- من دعاة التّحجّر والتّقوقع، ولا هم من غلاة الزّهد والتّقشف، بل توخّوا طريق الوسطية والاعتدال في حياتهم الفردية والاجتماعية، كما وصف الله الأمّة الإسلامية، وكما جسّدها رسول الله في مجتمع الصّحابة -رضوان الله عليهم-

ونحن إذ ندعوكم إلى المحافظة على وديعة هذا المجتمع الفاضل، إنما نقصد بذلك ثوابت شخصيته المتميّزة، والمتمثّلة ماديا في هذه المؤسسات المادية المتعدّدة، ومعنويا في تلكم السّلوكات الاجتماعية الفاضلة من التّراحم والتّضامن، ومن الإيثار ونكران الذّات أمام المصلحة العامّة للمجتمع المسلم.

أيها الإخوة الكرام: لكَم نحن مشفقون على هذه الوديعة أن تضيع!. وعلى هذا الرّصيد الحضاريّ أن يتبدّد في تهافت الأفكار المتطرّفة الدّخيلة التي تلقّفها بعض أبنائنا دونما وعي ولا تمحيص، وكم نحن مندهشون أمام بعض الخروقات والنتوءات التي تبرز من حين لآخر في أوساطنا، وهي تمدّ أذرعها كالسّرطان القاتل، وتنفث سمومها كالحية الرّقطاء، ونحن نفتقر إلى أسباب الوقاية، بل وتعوزنا وسائل العلاج!. فما حيلتنا اليوم في تدارك الأمر؟. وهل نملك قوارب النّجاة وأحزمة الأمن بين هذه الأمواج العاتية؟.

٥٤ / ١٥٤