صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٥٨

فيا أيها الإخوة المؤمنون، رحلة الوجود قدر محتوم تتمّ وفق ما قدّره الله من آجال لكلّ واحد منا، قد يرتبط فيها الإنسان بمصدر الوجود فيعبد ربّه ويشكر نعماءه، وقد ينفصم ويتيه فيتخذ من دون الله شركاء قال تعالى: ﴿هَلَ اَتَى عَلَى الاِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً، اِنَّا خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ اَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً، اِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ (الإنسان:1 - 3).

ولكلّ رحلة زاد يمسك على الإنسان حياته وينجيه من المهالك ويخفّف عنه مشاق الطّريق، ولكن فعالية ذلك الزّاد تكون وفق مكوّناته المادية والمعنوية، وهي تعتمد على مدى قدرة الإنسان في أخذه بهذه وتلك، وحسن مزجه بين عناصرها في اتزان واعتدال. وفي هذا المعنى يقول تبارك وتعالى في ثنايا أحكام الحجّ من سورة البقرة يقول: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَآ أُوْلِي الاَلْبَابِ﴾ (197).

والحجّ رحلة شاقة لها مناسكها وضوابطها في مواقيتها الزّمانية والمكانية، وهي تتطلب جهدا بدنيا وماليا، وتقيّم المؤمن في طبعه سلوكيا وأخلاقيا، ونلاحظ أن هذا الإرشاد الإلهي جاء بعد قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ … (البقرة:197). ذلك في جانب التّخلّي عن كلّ ما يعكّر صفو الرّحلة من جدال وملاحاة، والتّجافي عن كل ما ينافي حالة التّجرّد لله تعالى من فسوق أو عصيان.

٥٨ / ١٥٤