صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٥٩

ثم يأتي التّحلّي بصفات الكمال النّسبي بما يناسب ذلك الموقف من أنواع الخير -وما أكثر أبوابه وأعظم خزائنه-، وحسب المؤمن بذلك جزاءً عند الله أن يعلم الله ما يفعله من خير، ويثيبه عليه أضعافا مضاعفة، حيث يضاعف الأجر، ويوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب.

ولنا أن نتساءل بعد ذلك عن سرّ ذلك الإرشاد الإلهي في التّزوّد لهذه الرّحلة، ونحن نعلم أن الإنسان مدفوع بغريزته لأن يفعل ذلك حبّا في البقاء، وحرصا على نجاح المسعى. لأن الآية الكريمة تدعو إلى توفير الزّاد بنوعيه مع الإيحاء بتغليب الزّاد الرّوحي لأنه خير زاد.

ولكنّ هذا الأشكال سوف يتلاشى إذا علمنا سبب النّزول، فقد ورد في التّفسير المنقول أنّ جماعة من أهل اليمن كانوا يخرجون من ديارهم إلى الحجّ وليس معهم زاد ويقولون: نحن متوكّلون على الله. أنحجّ بيت الله ولا يطعمنا؟.

ومثل هذا الفهم الخاطئ لمعنى التّوكل على الله قديما وحديثا، هو الذي أوقع الكثير من المسلمين في مهاوي التّخلّف والضّياع.

ألا فليعتبر شباب "الخروج والتّبليغ" بهذه الحادثة، وليستمعوا إلى إرشاد الله، وقد سبقهم في تحريف معنى التّوكل على الله هؤلاء القوم فنهاهم الله عن ذلك.

يقول أحد المفسّرين في التّعقيب على هذه الآية: "وهذا القول فوق مخالفته لطبيعة الإسلام التي تأمر باتخاذ العدّة الواقعية في الوقت الذي يتوجّه فيه القلب إلى الله ويعتمد عليه كلّ الاعتماد، يحمل كذلك رائحة الامتنان على الله بأنهم يحجون بيته فعليه أن يطعمهم"(1)، فإذا كان التّخلّي عن الزّاد لا يجوز في الرّحلة إلى البقاع المقدسة، فما بال الرّحلات إلى غيرها من بقاع العالم.

(1) 1 - سيد قطب، في ظلال القرآن، 2/ 117.

٥٩ / ١٥٤