-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٦٠ومن البديهيّ أن يكون ما يتركه الحاجّ لإنفاق عائلته ذهابا وإيابا من جملة الزّاد المطلوب في الآية الكريمة، وديننا بحمد الله دين الوسطية والاعتدال، ودين الواقعية والمعقولية، فلا بد من الموازنة بين مطالب الجسد ومطالب الرّوح، ولا بدّ من الوفاء بحق الله وحق النّفس وحق العباد: "إن لربّك عليك حقا، ولنفسك عليك حقّا، ولأهلك عليك حقّا، فأعط كل ذي حق حقه".
وفي تعريف التّقوى لغة وشرعا جاء ما يلي: التّقوى في الأصل جعل النّفس في وقاية مما تخاف. يقال: اتقى فلان بكذا، إذا جعله وقاية لنفسه. ولذلك قيل: التّقوى من الاتّقاء، وهو طلب السّلامة بما يحجز عن المخافة. والتّقوى في اصطلاح الشّرع والعقل هي: حفظ النّفس عمّا يشينها ويعرّضها للملام أو العذاب، وذلك بترك أسباب السّخط و العقوبة، وفعل الفرائض المنجية المؤدية إلى النّعيم والثّواب، وإنما يكمل ذلك ويتمّ بترك بعض المباحات.
وإلى هذا أشار الحديث الشّريف الذي يقول: (الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من النّاس، فمن اتّقى الشّبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع الشّبهات وقع في الحرام، كالرّاعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، ألا وإنّ حمى الله محارمه، ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب (.(1)
وفي هذا الحديث ما يفيد أن تمام التّقوى المشار إليه بقوله: (اتقى الشّبهات (مرتبط بطهارة القلب ونظافته من الوساوس والهواجس، ومن سيّء المشاعر وخبيث المخاطر، ولا شكّ أن هذه الطّهارة هي أمّ مكارم الأخلاق وأصل الفضائل".(2)
(1) 1 - رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، حديث 3097.
(2) 2 - الدكتور الشرباصي، موسوعة أخلاق القرآن،1/ 202 وما بعدها.