صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٦٣

فبينما كنت أتلو سورة مريم مع الجماعة استوقفني وصف الله لنبيئه يحيى - عليه السلام - في قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً، وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً، وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ (مريم:12 - 14). فقد كان يحيى استجابة لدعوة أبيه زكرياء النبي العجوز، وهو يشكو إلى ربّه عقمه، ويخشى الموالي على تراث آبائه وأجداده في شريعة التّوراة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمَ اَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَّرَآئي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ (مريم:4 - 6).

فيا فرحتاه، لقد جاءته البشرى من ربّه، إذ استجاب الله دعاءه فرزقه ذلك الولد الرّضي، إنه يحيى النبي الوريث الذي يرجوه لمتابعة مسيرة الإيمان وتنفيذ شريعة الله، وقد زوّده الله بمؤهلات ليحمل ذلك العبْء الثّقيل، فأتاه الحكمة صبيا، وهي لا تأتي للإنسان إلاّ بعد النّضج العقلي والسموّ النّفسيّ.

ولحسن سياسة النّاس أتاه الله الحنان هبة لَدُّنِّية لا تربّص فيها ولا تدريب، كما طهّر قلبه من دباغ السّوء، فهو لا يحقد ولا يخون، وهو في كل ذلك موصول بربّه بحبال التّقوى، لا تندّ به خواطر السّوء ولا تجمح به شهوة السّلطة، فيخيس بحق الله أو حق والديه.

٦٣ / ١٥٤