صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٦٥

فيا أيها الإخوة المؤمنون، لقد انتهت أيّام الرّاحة والاستجمام ومرّت فترتها بكلّ ما فيها من إيجابيات وسلبيات، وها هي أيام الجدّ والعمل والمثابرة تقبل علينا ملوّحة بسياطها لتزجّ بنا في معتركها أيّا كان استعدادنا لمواجهة تبعاتها وتكاليفها، غير آبهة بما تفاجئنا به الأقدار، ولا مقدّرة لما يتحمّله كل واحد منا في هذا المشوار، لأنها لا تتخلّى عن منطق الحياة، وهو لا يقوم إلا على الحركية والتّفاعلية، ولا يعرف إلا الدّوام والاستمرارية.

وما دمنا نتحرك في إطار الزّمان والمكان، فإن الكيّس منّا هو ذلك الذي يعرف طبيعة وجودهما، ويَسْتَكْنِهُ دقائق أدائهما عند كلّ معاكسة أو تحدّ، لأنّهما من قوة الخالق التي لا تُقْهَر. فسبحان مقلّب اللّيل والنّهار، ومسخّر الجبال والأنهار والبحار، ومدبّر الأمر من السّماء إلى الأرض، سبحانه هو الله الواحد القهار.

أيها الإخوة، أيّ هَمٍّ أشدّ وطأة على نفوسنا في هذه الحياة من هموم سياسة الأولاد والعيال؟، سيما وقد كَثُرُوا بعد قلّة، وصَحَّت أبدانهم بعد علّة، وحكمة الله بالغة الأثر في تدبير شؤون الخلق إذ أقامت بين الكثرة والقلة وبين القوة والضّعف معادلة لا تكاد تتخلّف، وعلى الإنسان أن يتدخّل بجهده وكسبه ليقيم التّوازن بين أطراف تلك المعادلة. وكلّ تقصير أو عجز فسوف يتولّد عنه الخلل الاجتماعي الذي يعصف -أحيانا- بالمجتمعات البشرية، حين تصبح الكثرة غثائية لا خير فيها كما تنبّأ بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال عن كثرة عدد أمته عندما يخترمها الضّعف والوهن: (بل أنتم كثرة، ولكنكم كغثاء السّيل (.(1)

(1) 1 - رواه أبو داود من حديث ثوبان، كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام، حديث 3805. ورواه أحمد من حديثه أيضا، مسند الأنصار، حديث 21900.

٦٥ / ١٥٤