-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٧١نظرة الإسلام إلى الحياتين: الدّنيا والأخرى
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل لنا الأرض مهادا، وقدّر فيها من الأقوات ما يكفل الرّزق لكل من يدبّ على ظهرها فقال تعالى ممتنّا علينا: ﴿هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك:15). نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، إن شرّ ما ابْتُلِيَ به المسلمون، وكان سببا في ضمورهم الحضاريّ وتخلّفهم الثّقافي والفكريّ هو سوء فهمهم لفلسفة الحياة في الإسلام وازدواجيتها بين الحياة الدّنيا والحياة الأخرى. وبالتّالي أخطأوا في تقديرهم لحقيقة الحياتين كما بيّنها القرآن الكريم والسّنة المطهّرة.
ونتيجة لسوء الفهم والتّقدير فقدوا ذلك التّوازن الذي كان عليه السّلف الصّالح من هذه الأمة في أخذهم بالأسباب المادية والرّوحية وسعيهم للحياتين بوسطية واعتدال قائمة على أساس المقولة الأثرية: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا".
وبين هذين الموقفين يعيش المتطرّفون على طرفي نقيض: بين المادية الملحدة، والرّهبانية المميتة. فتتصارع الفكرتان، إذ يقوم لكل منهما أتباع وأشياع وتسخّر لهما الوسائل الدّعائية والمغريات السّخيّة، وكل فريق بما لديهم فرحون، وفي تحقيق أهدافهم مستهترون.