-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٧٤فما كان لمحمّد أن تغريه زينة الدّنيا أو أن تلهيه شواغلها عن أداء مهمّته الدّعوية، والقيام بشؤون أمته الفتية، وهو يخرجها -بعون الله- خير أمة في التعبئة الرّوحية والصّلاح الاجتماعي كما أرادها الله، وكيف تفتنه الدّنيا ومولاه تبارك وتعالى يرشده إلى المنهج القويم في تعامله مع النّاس، وفي اختبار توجّهه في واقع حياتهم فيقول له تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ’ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف:28).
ثم هو في مجال القدوة والإرشاد لا ينفكّ عن ذلك الإطار من القناعة والكفاف فيقول للرجل الذي سأله: يا رسول الله دلّني على عمل إذا عملته أحبّني الله وأحبّني النّاس فقال له: (ازهد في الدّنيا يحبّك الله، وازهد في ما عند النّاس يحبّك النّاس (.(1) ثم ينصح ابن عمر فيقول له: (كن في الدّنيا كالغريب أو عابر سبيل (.(2)
ولنا أن نتساءل: هل يمكن لكل النّاس أن يكون لهم مثل هذا التّوجّه لحياة الرّسول المثالية؟ وهل خلق الإنسان ليكون بليد الإحساس منقبض النّفس، فاقد الرّغبة في متاع الدّنيا وزينتها؟، وهل خلقه الله وسخّر له ما في السّماوات وما في الأرض ليعيش غريبا بين خيراتها وأرزاقها؟.
كلاّ -أيها الإخوة المؤمنون-، فإنّ الله الذي حذّرنا من فتنة الدّنيا هو الذي أودع فينا غريزة حبّ البقاء، وجعل من سنن الحياة وحركيّتها أن يكون الصّراع بين الأحياء، وداول الأيام بين النّاس ما بين السّرّاء والضّرّاء، وقدّر للإنسان أن يحيا في محكّ الاختبار والابتلاء.
(1) 1 - رواه الحاكم من حديث سهل بن سعد، كتاب الرّقاق، حديث 7985، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(2) 2 - رواه البخاري من حديث ابن عمر، كتاب الرّقاق، باب قول النبي "كن في الدنيا كأنك غريب"، حديث 6079.