-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٧٦أيها الإخوة المؤمنون، أين من هذه التّوجيهات الرّبانية ما أحدثه بعض المتأثرين بالفلسفات الفارسية أو الهندية القديمة، فنادوا بالزّهد والتّقشف في الدّنيا مما يسمّى في التّراث الإسلامّي بـ"التّصوّف"؟، فإن هذا المنهج التّربويّ المستحدث في تراث الإسلام لم يسلم من التّناقضات والانزلاقات أصبحت شرّا ووبالا على حياة المسلمين، وذلك لاختلاف من مارسوه في تغليب بعضهم للجانب العاطفي الوجدانيّ حتى وقعوا في متاهات الشّوق والتّواجد في استرضاء المحبوب، أو تغليب بعضهم للجانب السّلوكي، فلم يشتطّوا في تعذيب أجسادهم وحرمانها من المتع والطّيّبات، أما الطّرقية التي انتشرت أيام الضّمور الحضاريّ للمسلمين، وكذا بعض الأفكار التي يروّج لها أعداء الإسلام اليوم كجماعة أهل الدّعوة والتّبليغ أو جماعة التيئيس والإحباط، فبينها وبين أصول التّصوّف القديمة بون شاسع، لأن القدامى لم يكتفوا بمجرّد التّقليد والتّبعية لغيرهم، بل أخذوا الفكرة من مصادرها وطبعوها بطابعهم الإسلامي الخاصّ عن علم ودراية، وإن لم يسلموا من الانزلاق في بعض المخالفات.
وما أروع ما قاله أحد الدّعاة الإسلاميين في تشخيص تلك الظّاهرة قال: "عند التّأمّل وجدت التراث الصّوفيّ يشبه منجما مليئا بنفائس كثيرة وبتراب كثير وغثاء كثير، وإن الذي يدخل هذا المنجم قد يكون غبيّا فلا يخرج إلا بققف من التّراب، وقد يكون ذكيّا فيستطيع أن يستخرج بعض النّفائس وينتفع بها".
فمن لكم -أيها الشّباب المسلم- بمثل ذلك الذّكاء الوقاد؟، ومن لكم بمثل تلك الذّخيرة العلمية التي كانت للأسلاف والأجداد؟، فإن استغلال منجم الذّهب يحتاج إلى كثير من الجهد الفكريّ والبدني والتّزوّد بالآليات الضّرورية لتأمين الحياة وضمان الاستغلال الأمثل.
هداني الله وإياكم لأقوم طريق، وحبانا جميعا بالهداية والتّوفيق.
الخطبة الثّانية