صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٧٧

الحمد لله الذي متّعنا بزينة الحياة، وأذن لنا أن نتمتع بالطّيّبات، وجعل المتعة الحلال من أنواع الصّدقات. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:

إذا كان لنا من قدوة -نحن المسلمين- في تحديد موقفنا من الحياتين: الدّنيا والأخرى، فهي في سيرة الأنبياء والمرسلين، وفي طليعتهم خاتم الأنبياء والمرسلين، فما كان هؤلاء -وهم صفوة خلق الله- معرضين عن متع الحياة ولذاتها على ما تحمّلوه من هموم وأثقال لتبليغ رسالات الله، فكلّهم قد عاش بكدّ يمينه بحرفة أو تجارة أو رعي، وما كانوا عزوفين عن الزّوج والولد في رهبانية مميتة، يقول الله في شأنهم: ﴿وَلَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمُ (أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ (الرعد:38)

ويقول الرّسول لأولئك المترهّبين المتزهدين: (إني امرؤ أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوّج النّساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني (.(1)

إن القرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم، وكلّه زِقُّ عسل كما وصفه الرّسول. وإنّي لتشدّني إلى كثير من آياته كثير من التّأملات تفتح لي آفاقا من التّفكير والتّملّي بحسن بلاغته وإرشاداته، ففي موضوع حديثنا تلوت قصة قارون من سورة القصص، وهو بطل أحداثها يشخّص أسوأ مثال للطغيان المادّي بالبغي على قومه مدفوعا بالغرور معتزّا بحيلته في جمع ذلك المال.

وقد وجد من قومه من ينصحه ويكفكف من غلوائه قائلين له: ﴿لاَ تَفْرَحْ اِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللهُ الدَّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الاَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص:76 - 77).

(1) 1 - تقدّم تخريجه، ص 54.

٧٧ / ١٥٤