صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٧٩

فيا أيها الإخوة المؤمنون، كم في القرآن الكريم من تقرير لصفات هذا الإنسان تتناول جوانبه المادية والنّفسية والاجتماعية!، وتبيّن واقع الحياة من حوله، ووضعيته في مواجهة ذلك الواقع يسرا وعسرا، أو حزنا وسرورا، واعتدالا أو تطرّفا وعزورا، وهو في كل أحواله لا يكاد يفارقه ذلك الضّعف الذي وصفه الله به إلا أن يستنير بنور العقل، ويتسلّح بسلاح الإيمان، ويتزوّد بزاد التّقوى.

والقرآن الكريم إذ يكشف طبيعة الإنسان لا يتناوله مجرّدا عن بيئته الزّمانية والمكانية، أو بالأحرى لا يفصله عن محيط الحياة الصّاخب الموّار؛ على اعتباره في قمّة الأحياء خَلْقًا وتَسْوِيَة وهداية من ربّ الخلائق ليكون خليفة الله في الأرض. فهو على ضعفه خُلِقَ في كَبَدٍ، وهو في مسار حياته يكدح إلى ربّه كدحا، شغله الله بالعمل، وألهاه بالأمل، وحمّله أعباء الأمانة فحمل. تلك الأمانة العظمى التي ناءت بحملها السّماوات والأرض والجبال، وأشفقت من أعبائها الثّقال.

لقد انطلق هذا الإنسان على وجه الأرض، إذ جعلها الله مهادا لحياته، وجعلها ذلولا تنقاد لرغباته وتطلّعاته، معطاء تستجيب لشهواته، ولكن لا تنال خيراتها إلا بعناء ومشقّة، ولا يتحقّق وصالها إلا بعد تمنّع ودلال. انطلق الإنسان بأمر الله يتلمّس طريقه على فجاج الأرض ومناكبها لإثبات أهليته في إعمارها وإصلاحها، وهو يقتحم المخاطر ويغالب الأهوال، إن في الأحراش والأدغال، أو في المغاور والجبال، أو على لجج البحر ومجاري الأنهار، وكلها مسخّرة له من لدن الكبير المتعالي. فلا عجب أن تتركّز في نفسه صفة الهلع كما وصفه القرآن، لأنّ ذلك أحوط لصراع البقاء، وأدعى لليقظة والانتباه إلى خطر الأعداء.

٧٩ / ١٥٤