-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٨فيا أيها الإخوة المؤمنون، نحن في زمن اختلطت فيه كثير من المفاهيم بحكم التّقليد للقويّ الغالب، فانساقت الشّعوب المغلوبة على أمرها إلى استيراد كثير من النّظم والآداب التي لا تتفق مع أصول حضارتها، ولا تنسجم مع تقاليدها وأعرافها.
ومن تلك الحقائق التي ما تزال الشّعوب الضّعيفة تتلمّس طريقها في تحديد مفاهيمها حقيقة الدّين والوطن: أهما متكاملان أم متناقضان؟.
فإذا طغى قوم وغرّتهم الحياة الدّنيا فقالوا: ما لله للهِ، وما لقيصر لقيصر، فإن ربّ الخلق يقول: ﴿إِنَّ الاَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف:128). ويقول: ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمُ (أَنِ اتَّقُواْ اللهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيّاً حَمِيداً، وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (النساء:131 - 132).
ورسول الله -وهو قدوتنا وإمامنا- لم يخلط بين الحقيقتين عندما ترك وطنه مهاجرا إلى الله فارّا بدينه إلى المدينة المنوّرة، وهو يقول في لوعة وأسى عندما كان خارج مكة: (أما إنّي تركتك وأنتِ أحبّ بلاد الله إليّ، ولولا أنّ قومَكِ أخرجوني ما خرجت(1) أو كما قال.
ذلك لأنّ دين الله لابدّ له من حرز أمين يتنامى فيه، ويجد أسباب الظّهور والقوة والتّمكين. وعندما تَنِدُّ الأمّ عن وليدها -وتلك حالة مَرَضِيّة خطيرة- فلا بدّ للمولود من حاضنة توفّر له أسباب الحياة لينطلق سليما معافى.
(1) 1 - رواه الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس، أول كتاب المناسك، حديث 1742، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.