-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٨١أيها الإخوة المؤمنون، إذا كانت أمانة التّكليف لهذا الإنسان بذلك الوزن الثّقيل، وقد أبت السّماوات والأرض والجبال أن يحملنها، فما الذي يزوّد الإنسان بالطّاقة الضّرورية التي تجعله من دون سائر الكائنات قادرا على تحمّلها والقيام بتبعاتها؟.
فلنستمع إليه تعالى يخاطب أمّتين تحمّلتا في مسار التّاريخ البشريّ أعباء التّوحيد ورسالة الإسلام بمفهومه الشّامل كما وصّى به إبراهيم بنيه ويعقوب في سورة البقرة: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ (132). فقال تعالى مخاطبا أمة بني إسرائيل:
﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ، الذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمُ (إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:45 - 46).
وقال مخاطبا الأمة المحمدية بنفس الإرشاد والتّوجيه: ﴿اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة:153).
فما أحوج الأمّة في مسار تاريخها الطّويل إلى هذا الزّاد الرّوحيّ الفعّال لمغالبة الأمراض الاجتماعية التي تنتابها في مسارها الدّعوي، حتى لا تفقد فعاليتها أو تضيّع أمانتها في شهادتها على النّاس بعد شهادة الرّسول عليها كما حكم الله لها بذلك. فإن الدّعوة إلى الحق والسّير في طريق الله يقتضي قوّة وشجاعة والتزاما، فلا بدّ من سند متين، ولا بدّ من دليل ومعين. فإن الطّريق شاقّ والحمل الثّقيل يقصم الظّهر.
والاستعانة بالصّبر والصّلاة استعانة بأعظم خلق وأفضل عبادة يزوّدان المؤمن بالمدد الرّوحانيّ المطلوب.
أ) - فالصّبر -كما يصفه علماء الأخلاق- هو حبس النّفس على ما تكره، بحيث تحتمل المكروه بنوع من الرّضى والاختيار والتّسليم. وهذا النّوع من الصّبر يحصل للمؤمن بتذكر وعد الله ووعيده واستحضار عظمته وهيبته، والإيمان بقدره خيره وشرّه.