-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٨٢ب) - والاستعانة بالصّلاة لا يتحقّق مفعولها إلا إذا استكمل المؤمن شروطها وآدابها إذ ترفرف روحه في حظيرة الملإ الأعلى فتنبهت زخارف الدّنيا أمام عينيه، ويحسّ ببرد الرّضى واليقين. وكان رسول الله يفزع إلى الصّلاة كلما حَزَبَهُ أمر ويقول في شأنها: (وجعلت قرة عيني في الصّلاة (.(1)
وبما أن هاتين الخصلتين ليستا على درجة واحدة في واقع حياة النّاس، فقد أعقب الله تعالى على ذلك الأمر بقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ، الذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمُ (إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:45 - 46).
ومهما يكن مرجع الضّمير في قوله "وإنها لكبيرة" في احتمالات المفسّرين، فإن المأمورات الشّرعية مفردة أو مجموعة تكون شاقة على النّفس. قال الله تعالى لرسوله ولكل مستمع للقرآن:
أ) - ﴿وَامُرَ اَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه:132).
ب) - ﴿رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ (مريم:65).
وليس الخشوع هنا خاصّا بعبادة الصّلاة، بل هو أعمّ من ذلك عندما يصبح عادة متأصّلة في نفس المؤمن تصاحبه في كلّ أنواع العبادات ولو في تلك التي يخدم بها دنياه. ثم بيّن الله داعية الخشوع بأنه الاعتقاد الجازم بالرّجوع إلى الله وملاقاته ليوم الحساب. وهذا هو مفرق الطّريق بين أصناف المؤمنين التزاما ووقوفا عند حدود الله، أو تهاونا وتقصيرا في جنب الله.
وحتىّ تكون للصلاة تلك الفعالية في سلوك المؤمن فقد أضفى القرآن عليها ثلاث صفات تتكامل في جعلها سورا منيعا وملاذا حصينا لصاحبها وهي:
أ) - الخشوع: جعله الله ملاك أمرها وبمثابة الرّوح للجسد فقال: ﴿قَدَ اَفْلَحَ الْمُومِنُونَ، الذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون:1 - 2).
(1) 1 - رواه أحمد في المسند من حديث أنس بن مالك، مسند بني هاشم، حديث 13811.