صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٨٥

ونقول: لعلّ اختلاف التّعقيبين في الآيتين الكريمتين يشير -والله أعلم- إلى اختلاف وضعية الأمتين: الإسرائيلية والإسلامية، حين وجّه الله النّداء إلى كل واحدة منها ذلك الإرشاد. فإن بني إسرائيل ما يزالون حينها في التّيه يعانون من رواسب الاضطهاد الفرعونيّ ضعفا في الشّخصية وخورا في العزيمة، وتعنّتا وعنادا مع سيدنا موسى - عليه السلام -، فلم يتحقق لهم الاستقرار في الأرض إلا بعد وفاته. وبالتّالي كانوا فاقدين لتلك الطّاقة التي تجعلهم قادرين على تحمّل تبعات الدّعوة والرّسالة. أمّا الأمّة الإسلامية فقد كمل إعدادها في مكة، وأصبحت بعد الهجرة إلى المدينة المنوّرة راسخة القدم في الإيمان بالله ورسوله، فولاذية العزيمة والإرادة لمواجهة كل التّحدّيات وتحمّل كل الأعباء التي يتطلّبها قيام كيانها الممتاز في أرض الواقع كما يريده الله ورسوله، علما بأن هذه الآية: ﴿اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة:153). نزلت قبل شهرين من غزوة بدر الكبرى، وشتان بين الوضعيتين، وصدق الذي قال:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فهل يتعظ المسلمون بصفحات تاريخهم الخالدة؟، وهل يعون آيات كتابهم الرّاشدة؟.

اللّهم إليك نشكو قساوة قلوبنا فألنها، وطول آمالنا فحققها، وكثرة ذنوبنا فاغفرها فنعم المشكوّ أنت، ارحم ضعفنا وارحم تضرّعنا، وأعطنا لمسكنتنا، ولا تحرمنا لقلة شكرنا. اللّهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل أعداءهم في كل مسلك وسبيل. اللّهم من أراد بنا شرّا فاردد كيده في نحره، وأشغله عنا بسوء أمره. اللّهم إن هذا الوطن الجريح يعاني من وطأة السّنين، وشرور الظّالمين اللّهم اكشف عنه السّوء، وانشر عليه رحمتك وعافيتك. ووفق المخلصين من أبنائه إلى تضميد جراحه بإصلاح ما فسد، ورتق ما انفتق، وجبر ما انكسر إنك على كل شيء قدير، وأنت بعبادك خبير بصير، والحمد لله ربّ العالمين.

٨٥ / ١٥٤