-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٨٨لقد ذكر المولى لكليهما موقفا بطوليا تتجلّى فيه قوة العزيمة واليقين الرّاسخ في قدرة الله وعظمته والثّقة المطلقة في إنجاز وعده ونصرة عبده، بعد أن استنفذت الحيل البشرية، وعجزت القوة المادية عن درء الخطر في مواجهة العدوّ. فلنستمع إليه تعالى ممتنّا على أصحاب محمد بما أحاط به رسوله من رعاية في أصعب الأزمات وأخطر المواقف، ذكّرهم الله بذلك حتى لا يتقاعسوا عن الجهاد في سبيل الله فقال جلّ من قائل: ﴿اِلاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذَ اَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ’ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ’ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:40).
فأيّة قوة روحية كان الرّسول يتمتع بها؟، وأيّة سكينة كانت تملأ قلبه الكبير أمام خطر يقول عنه صاحبه الصّدّيق: "لو أنّ أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه". ولكن القلب الشّريف الموصول بالقدرة الرّبانية يقول لصاحبه في سكينة وطمأنينة: ﴿لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾.
لقد تعطّلت حيل البشر وعجزت وسائلهم، وانطوت صفحة الزّمان والمكان، فليس في السّاحة إلاّ جنود الرّحمن درعا للصّاحِِبَين، ودحرا للمتكبّرين المتعجرفين: ﴿فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ’ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ’ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
في تلكم اللّحظات الحرجة التي ضاق بها صبرا أبو بكر خوفا على صاحبه يقول له رسول الله مهدّئا مطمئنًا في ثقة ويقين بالله: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما».