صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٨٩

ولا يقلّ حادث سراقة بن مالك روعة وجلالا عن قصة الغار، تتجلّى فيهما قدرة العزيز الجبّار. وهكذا تنتهي الرّحلة الشّريفة إلى المدينة المنوّرة في أروع استقبال وترحاب من طرف الأنصار.

ولنَطْوِ صفحة الزّمان إلى الماضي السّحيق، ولنستنطق معالم المكان على ضفاف النّيل العريق، حيث ترعرع موسى - عليه السلام - في قصر فرعون وتفتّقت مواهبه في أحضان مملكته، عين الله ترعاه لينشأ قويّا أمينا، ويشاهد ما يعانيه قومه بنو إسرائيل من طغيان فرعون وملأه، وقد اصطنع الله موسى لنفسه واصطفاه لرسالته حين تحمّل الأمانة، وتصدّى كما أمره الله لملك تجاوز كل حدود الجبروت والطّغيان، حتى تألّه على النّاس، ونازع ربّه في الكبرياء والسّلطان، فكان ما كان بينه وبين موسى بما قصّه علينا القرآن.

وأزفت ساعة التّحرّر والانعتاق بعد أن بلغ طغيان فرعون مداه بصَلْبِ السّحرة وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وهم يجيبونه في تحدّ وإصرار: ﴿لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَّغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ الْمُومِنِينَ﴾ (الشعراء:50 - 51).

فيا لمعجزة الإيمان كيف ينير البصائر ويملأ القلوب يقينا وثباتا، فإذا بكلّ ما في الأرض من علوّ وزهو وغرور، تافه وزهيد وحقير.

وتوالت الألطاف الربّانية لموسى، وتتابعت آيات صدقه وحظوته عند الله، حتى أذن له بالرّحيل مع قومه. فيا لروعة المشهد في مواجهة الحق للباطل!.

إنها الهجرة إلى الله واللّياذ بحصنه الحصين، كان فيها موسى رائدا لقومه المستضعفين، لتفضي الرّحلة إلى مشهد مثير حين وقعوا بين فكّي الأسد بين أمواج البحر وجنود فرعون. وظنّ القوم أنهم -لا محالة- مهلكون، إذ قالوا لموسى إنّا لمدركون.

٨٩ / ١٥٤