صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٩٠

وفي تلكم اللّحظات الحرجة، والموت يكشّر عن أنيابه، لا يشكّ موسى أبدا في وعد ربّه فيرسلها صيحة مدوّية في قومه الحيارى المنهكين: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء:62). هكذا في توكيد وتصميم لا يزعزعه الهول، ولا يستفزّه الكرب، فإذا بالقدرة الإلهية تحوّل البحر إلى طريق يَبَسٍ لموسى وقومه وينفتح لهم طريق النّجاة، ثم تُطْبَق الأمواج على فرعون وجنوده فلا فوت ولا حياة.

يقول المولى تبارك وتعالى في تقرير هذا المشهد المثير: ﴿فَلَمَّا تَرَآءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلآَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ، فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الاَخَرِينَ، وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ (أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الاَخَرِينَ﴾ (الشعراء:61 - 66).

أيها الإخوة المؤمنون، هل أدركتم بهذه الآيات البيّنات روابط الصّلة بين الحدثين العظيمين؟، وهل تحقّقتم من ألطاف الله وعنايته بالرّسولين الكريمين؟، وهل لمستم فيهما معجزة الإيمان وقوة اليقين؟.

نعم، إنها القوة الإلهية التي تدكّ الحصون وتقلع الجبال وتشق البحار، لقد تَرَكَاهَا صيحات خالدة على مسمع الأجيال، تردّدها النّصوص المقدسة متحدية كل الظّروف والأحوال: ﴿لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾. ﴿كَلآَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. فهل يعيها اليوم الحاقدون المبغضون؟. فيحكّمونها في ما هم فيه يختلفون، وهل يفقهها المريدون والأتباع، ليكفّوا عن التّناحر والصّراع؟.

تلكم المعيّة المقدّسة لا تجابه بالصّواريخ ولا بالذّرّة، ولا تغالبها التّكتلات والأحلاف. وقد انتصر بها الآباء والأسلاف، فأين منها اليوم الأبناء والأخلاف؟.

٩٠ / ١٥٤