صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٩٤

وهناك في الأماكن المقدسة حركة دؤوبة وسعي مشكور للحجاج الميامين وهم ضيوف الرّحمن، ينهلون من موارد وحيه وهداه، ولا يشبعون من موائد ضيافته وقراه. ولئن كانوا يتقلّبون على مسرح المقدّسات الإسلامية ملبّين مهللين، تطالعهم الذّكريات من كل منسك وقفوا عنده كما بيّنها رسول الله، فإننا -نحن المقيمين- لا تعوزنا تلك الاستشرافات الرّوحية التي نتملّى بها آثار تلك الذّكريات، ونستلهم بها معاني تلك الإيحاءات، وذلك إذا تجردّنا من التّقليد الأعمى، وتحرّرنا من قيود الإلف والعادة، ونحن نؤدّي هذه السّنن التي أحكم الإسلام وضعها، وبيّن الرّسول مقاصدها إرشادا وتطبيقا وهو يقول لصحابته: (خذوا عنّي مناسككم(1).

أيها الإخوة المؤمنون، ليست الأعياد في الإسلام مظهرا ماديّا للزينة والأكل والشّرب، بل إنها قبل ذلك معلم زمنيّ للتقييم الذّاتي والتّركيز الجماعي في مسيرة الأمّة، يربطها بماضيها ويرشدها في حاضرها، ويستحثّ خطاها لبناء مستقبلها. فبالنسبة للماضي فإن ما يرتبط بعيد الأضحى من الذّكريات هو تلكم الصّرخة المدوّية الحاسمة يوم تلقاها المسلمون في السّنة التّاسعة للهجرة عندما تنزلت سورة "التّوبة". وقد انتُزِعت البسملة من مفتتحها لتحسم الموقف مع خصوم الإسلام، وقد كان الاختيار في الإيمان وعدمه حين اعتمدت الدّعوة أسلوب الحوار والإقناع بالأدلة والبراهين، وقد تنزّل قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُومِنْ وَّمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (29). وقوله في سورة الإسراء: ﴿وَقُرْءَاناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ’ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً، قُلَ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُومِنُواْ﴾ (106 - 107).

(1) 1 - تقدّم تخريجه، ص 12.

٩٤ / ١٥٤