ظاهرة تعدد المنابر في وادي مزاب لمصطفى ابن ادريسو
الجزء ١ · صفحة ٤تعددت أشكال المنابر في مساجد المسلمين بعواصم الإسلام؛ من منابرَ خشبية إلى منابرَ حجرية، ومن منابرَ ثابتة إلى منابرَ متحركة، أما في وادي مزاب –بالجزائر- فإن للمنبر شأن آخر، إذ كان تنوعه دائرا من حيث أداء وظيفته، ومن حيث استقلاله أو ارتباطه باتجاه فكري معين دون آخر، وهو ما سنراه بالتفصيل:
1 - قبل استقلال الجزائر:
لم تشهد مساجد مزاب منابر للخطب قبل استقلال الجزائر، ذلك أنها كانت تعيش تحت وطأة الاستعمار الفرنسي الكافر، مما لم يمكِّنْهم من إقامة صلوات الجمعة، ومن ثم عدم الاهتمام بتشييد المنابر في مساجدهم، واكتفوا بالدروس الوعظية التي يلقيها الواعظ في ليلة الجمعة من كل أسبوع، إذ يجلس الواعظ - شيخ المسجد أو واعظ دائم- على الأرض ويستقبل المصلين، ويُرشدهم في دينهم، وقد يتولى هذه المهمة طيلة السنة بما في ذلك أيام شهر رمضان كلها.
يستقي الوعاظ مادتهم من المؤلفات الإباضية، كوفاء الضمانة والذهب الخالص للقطب، وقواعد الإسلام للجيطالي، ونادرا ما يعتمدون كتب غيرهم، ولا يزيدون على كتب الرقائق كرياض الصالحين للنووي، و إحياء علوم الدين للغزالي.
تتميز الدروس بالبساطة في الأسلوب، والخلو من عناصر التشويق والإثارة غالبا، لكن أثر هذه الدروس كانت تظهر جليا على أرض الواقع في تطبيقات الناس، وفي الاستجابة لأوامر المسجد، والانتهاء عما نُهوا عنه، فأسهم في تماسك المجتمع وقوته، وتطبيق ما يلقى عليه دون ارتياب ولا تردد.
وهكذا فقد عاش مزاب في ذلك الحين أحادية المنبر، وأحادية الطرح، مع ما فيه من إيجابية للبعض، وسلبية للغالبية الذين يتطلعون دائما إلى الجديد، وهو ما حاولت الحركة الإصلاحية أن تقدمها عند بروزها في مزاب.
2 - بعد استقلال الجزائر: