نعمة الجمال، وتزيين المحيط لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ١نعمة الجَمال، والدعوة إلى تزيين المحيط
ابن ادريسو مصطفى
إن الله خلق الجمال يستهوِي النفوس والمشاعر، ويُريح الأذهانَ والقلوب، ويَمنحُ السماحةَ والابتسامة، ويُعين على الهدوء والاستقرار، ويَرشدُ إلى الإبداع والتفكير، وتَقَرُّ به الأعيُن، وتَلذُّ به الأذواق.
والجمالُ هو القدرة على تذوُّق حلاوة الأشياء، والاستمتاعُ بعُذوبتها، وهو تمييزٌ للأمور برهافَة الحسِّ وصفاءِ الطوية، وابتهاجٌ بالمصنوعات المتقنة والدقائق البديعة.
;الجمال نعمةٌ من أتمِّ نِعَم الله على خلقه، ولا يرى الجمالَ إلا الجميل. فكُن جميلاً ترى الوجود جميلاً، وكُن جميلاً ترى نسائم الجمال تهُبُّ رقراقَةً من حولك؛ شهْدًا في عروقِك وأنفاسِك، وحلاوةً في لسانك ومنطقِك، وطِيبًا في أنفِك وذوقِك، يقول الرسول ص عنه: "إن الله جميلٌ يحبُّ الجمال". فجمال الله يعني أن الله يأتي بأحسن الأفعال ويوصف بأكمل الصفات، وحبُّ الله للجمال يعني حبُّه للحسن والكمال والتناسق والانسجام.
ويتجلى جمال الله تعالى في بديع كونه وإتقانه، ويظهر في تناسق ألوان الوجود وتشاكلها، فبالجمال تنشط القرائح، وينتعش الفكر، ويُجدد الإيمان وتَحسنُ العبادة. وبالنظر إلى الطبيعة في سُهولِها وجبالها، وبِحارِها وأنهارها، وغاباتها وصحرائِها، وأطيارِها وأزهارِها تمتلِئ الأعيُنُ والآذانُ والقلوبُ والنفوسُ بهجةً وسرورًا.
ولما خلق الله الوجود نثر مباهج الزينة في الكون كلِّه وصبغه بصبغة جميلة؛ فخلق الإنسان مثلا في زينة حسنة فقال: لَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ورتب الطبيعة في شكل بديع ومزركش، فقال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، (الملك)، ودعانا تعالى أن نتدبر ملكوته المنظم، وننظرَ إليه بنظرة فاحصة متذوقة تدعو إلى تعظيم الخالق، والاقتداء بذلك الحسن في الحياة؛ حتى يغدو المرء محبا للجمال والزينة، ويَهفوَ إلى صنع الأشكال البديعة كما أتقن الله صنعَ خِلقته بإحكام ورونق بديع، ويَصيرَ شغلُه وعملُه دائما متقنا دقيقا استنادا إلى الدقة المبوثوثة في الكون، وفي هذا يقول أعظم المبدعين دقة ورونقا، وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ، (الحجر)، وقال عزَّ شأنه في سورة النمل: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ.
ما أحوجنا إلى أن نُنميَ في أنفسنا الذوقَ الرفيع، ونستأنسَ بما حولنا من فنون بديعة، ومناظر خلابة ونربي أنفسنا على التأمل في ملكوت الله، وننشئَ أولادَنا على تذوق الجمال والجلال، فنرى منهم