نعمة الجمال والدعوة إلى تزيين المحيط مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

نعمة الجمال، وتزيين المحيط لمصطفى بن دريسو

الجزء ١ · صفحة ٢

مستقبلا -إن شاء الله- خطاطين بارعين، ورسامين نُبلاء، ومُنشدين متألقين، ومرتلين للقرآن ترتيلا، وناطقين فصحاء، للسان العربي المبين واللسان الأعجمي، ونستمتعَ بمنجزين للأعمال المهنية بدقة وتفصيل متفان، ذلك أن الإنسان إذا طبع نفسه بالذوق الرفيع، والحسِّ المرهف فسيتجلى ذلك في أعماله الحسنة، وفي أقواله الموزونة، وفي منجزاته الحضارية.

إن الجمال نعمة إلهية لا ينبغي أن نستيهن به في حياتنا وأمورنا، ذلك أنه مناط الاحتكامِ في عاداتنا اليومية، والضابطُ لمستورداتنا الحضارية من الألبسة والأقمشة والأنماط المعيشية المتعددة، فقد يتساءل المرء مثلا عن ضابط الجمال في الزينة، وعن الألبسة المسموح باقتنائها والمحظورة علينا، فإننا سنعثر على الجواب في الاحتكام إلى قيمة الجمال لدى الإنسان السليمِ الفطرة، النقيِ السريرة، العابدِ لربه الجميل بحسن وصفاء، يقول تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا، وَلِبَاسَ التَّقْوَى، ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، (الأعراف)، فالله شرع لنا أن نَلبس ألبسة تُزين ظواهرَنا، وتُجمِّل بواطِنَنا، وتَستر عوراتنا، وكلُّ لباس خرج عن هذه الضوابط، فقد أخل بالجمال والزينة، وصارت له مقاصد أخرى .. فمن لبس لباسا للاعب كرة القدم إعجابا به، أو سرَّح شعره بتسريحة مقتديا فيها بماجن أو ديوث أو ملعون، فإنه في هذه الحالة خرج عن مقتضى الجمال، ولبس لباسا غير لباس التقوى الجميل عند الله خالقِ الجمال، ذلك لأن اللباس الذي اختاره هذا الشاب فيه الفحش والشهرة، وفيه الفتنة والميوعة، وهذا يتنافى تماما مع الجمال الحسي والمعنوي الذي أودعه الله في كامل كونِه، فعن عبد الله بن عمر ض قال: قال رسول الله ص: "من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم أَلهبَ فيه نارا". ومن هذا الباب أيضا نقيس لباس بناتنا في المدارس وفي أزقة شوارعنا .. فمن لبست خمارا مزركشا كثير الألوان، واقتنت معطفا أنثويَ اللون جذابَ المنظر، فقد خرجت عن مقتضى الجمال الذي يقره رب الجمال لخلقه، وأبدلت بالجمال الإلهي المتناسق البديع في الكون جمالاً فاسدا يُفضي إلى المجون والفتنة في الأنفس، ويؤدي إلى الفحش والمنكر، ويتناقض مع إقراره تعالى: وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ، فحكمة الله الجميل تقتضي أن يُضبط الجمال في الدنيا بنظرة شمولية وكونية يتناسق فيها الحسي مع المعنوي من غير تعارض ولا تناقض، بينما يُطلَق العِنان لأهل الجنة في اختيار الجمال الحسي الأخاذ بكل أطيافه وأنساقه بدون قيد ولا اعتبار، فيقول تعالى عن أهل الجنة: وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الاَرَآئِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِئَانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرًا (15) قَوَارِيرًا مِّن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيهِمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ

٢ / ٥