نعمة الجمال، وتزيين المحيط لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ٣وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) اِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا (22).
من حكمة الله تعالى في الجمال أن جعله قرينا بالمنفعة، فلا يُطلب الجمال لذاته، أو يبحث عنه لأجل إشباع الغرائز فقط، أو لأجل اللهو والعبث، وإنما الجمال قيمة ذوقية يُقرن بالمنفعة التي ترتبط به، ولذلك لا يصح أن تُربى الخيول مثلا لأجل التباهي بجمالها ومنظرها دون الانتفاع بها عمليا في الحرث أو الحرب أو السفر، ومن هنا لا نستغرب ما فعله سيدنا سليمان عليه السلام –حسب بعض التفاسير- من أنه ذبح عددا هائلا من الخيول التي مرت أمامه لمجرد أنها أخَّرت عليه الصلاة وأنسَته ذكرَ الله قبل الغروب، فكيف ينبغي أن يَفعل من ألْهَته هذه الخيول عن تسخيرها فيما يعود بالنفع على الناس أو أتى بها فُحشا وقمارا كما هو مبسوط في بعض القنوات الفاسدة التي تختص بالخيول، يقول تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّيَ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاَ بِالسُّوقِ وَالاَعْنَاقِ.
وفي القرآن دليل آخر عن ضرورة حصول المنفعة من الجمال، وهو اقتران ذكرِ الله تعالى للجمال اللطيف في الأنعام بتلذذنا بأُكلها، وانتفاعِنا بلباسها الكاسي (الجلود)، وبرفعها لأثقالنا، يقول تعالى: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، (النحل).
إن تأمُّل الجمال -ليس كما يظن الكثير منا- أمرًا ثانويا وشكليا، بل هو عادة حميدة ينبغي تعلُّمها وتعليمها للناشئة بطُرق منهجية مضبوطة، ففي بعض الدول يَحرِص المربون على غرْس بذور هذه العادة الجميلة في سنِّ الطفولة المبكرة، وتعليم الأطفال مهارةَ التأمُّل والتذوق الجمالي منذ الصغر، حتى يرتقي حِسُّهم الفني، وتُصقَلَ معارفُهم بمهارات الحسن الرفيع، فيجنون ثمار هذه التربية الحسنة في دقة الصنع والإنتاج، ويستفيدون منها في منجزاتهم وأعمالهم، وهو ما نعاني من نقصه بشدة في شتى مناحي حياتنا نحن المسلمين.
ولا ريب أن الجمال ليس مقصدا بذاته، وإنما وسيلةٌ لحب الأخلاق والصفات الحميدة، وطريقٌ لحب الجميل من الأقوال والكلمات، والجميلِ من المفاهيم والتصورات. والجمالُ أيضا مطية لبلوغ العيش الكريم في جو عذب طاهر خال من معكرات الصفو والشوائب، ولذلك فلا ريب من أن الإنسان الذي يخرج من بيته فيشاهد رُكاما من الأوساخ والقمامات هنا وهناك يصعب عليه أن يكتسب الحسَّ الرقيق، والذوقَ اللطيف، ومن ثم لا ننتظر منه الكثير في التغيير الإيجابي في الحياة، سواء كان مواطنا بسيطا أو مسؤولا كبيرا.