نعمة الجمال، وتزيين المحيط لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ٤هل من استفاقة صريحة على واقعنا، وهل من مشفق من الأردام والأوساخ والقاذورات التي تطغى على الأزقة والطرق ومجاري المياه والسواقي، فلقد غذت طرقاتُنا تبكي من تحول الزمان عليها .. فبعد أن ألفت أناسا مجدين يحملون المياه النظيفة إلى بيوتهم عبر كواهلهم المذللة، ثم يحملونها مرة أخرى بعد توظيفها في غسيل المطبخ أو الحمام، ليفرغوها في "الشبارات"، وكانوا أيضا يتولون رمي القاذورات في المفرزات "الزوبية" بأنفسهم في الغالب، وإذا بجيل يخلفهم قد وُفرت لهم كل سبل الرقي الحضاري، فصار الماء يصل إلى منازلهم عبر الحنفيات، ويُسخَّن آليا عبر المدفآت المائية، وبات عمال النظافة يتولون رفع القمامات من أمام منازلهم يوميا ما عدا أيام العطل، إلا أنه مع كل هذه التسهيلات صار الواحد منا لا يقدر على تحسين حيه، أو تنظيف مدخل منزله، أو معاهدة الساقية وطريق الوادي بالمراقبة والنظافة، أو إيجاد حل لتعليق الإعلانات في الجدر، إلى غيرها من مظاهر التخلف المستَفحلة في محيطنا.
إذا استرسلنا في المقارنة بين الإنسان الماضي والحاضر فسنعثر على العجائب والغرائب … فيا ترى ما الذي أمات القلوبَ، وأرقد الضمائرَ، وما الذي حرك الأولين، وأمات الآخِرين .. ولما الإهمالُ والأنانيةُ وحب الذات .. وما السبب أن بِتنا نمر على الوضع السيئ والمحيط الوسخ ببدلاتنا الأنيقة وسياراتنا الفخمة ولا نبالي بالأجواء المعَكَّرة، ولا نُحسُّ بالخدش في نفوسنا، ولا بالوخز في ضمائرنا، إلا من رحم ربك.
لنُشبِّع أنفسنا بحب الجمال والاستمتاع به، حتى نستطيع أن نُنفق من وقتنا وأموالنا وتفكيرنا في سبيل تحسين حالنا، ونسعى أن نربي الوسخين الغافلين الذين يفسدون ولا يصلحون، ويعتدون على الناس برمي الردم والأوساخ في الأماكن العامة ولا يبالون من نزعها سريعا.
إن فائدة حملات التطوع لا تقتصر على حمل الأدران والأوساخ من الطرقات والأودية، وإنما هي وسيلةٌ للم شمل أهل الحي وربط المشاعر ببعضها، وطريقةٌ مبتكرة لاجتماع الآباء مع أولادهم في جو تطوعي تحفه الملائكة ويرعاهم رب العرش الكريم، فضلا عن أن هذه الحملاتِ المستمرة هي اكتساب للتواضع في شكله العملي، ذلك لأن مجتمعنا في حاجة ماسة إليه، كي يتكتل حسيا ومعنويا، فيرتقي اقتصادُنا الضعيف أو شبه الضعيف، وتتقوى العلاقاتُ الاجتماعيةُ بيننا، فنصبر على بعضنا في أعمالنا وتجارتنا وصناعتنا، ولا مناص أن نعقد مقارنة مع بعض قرى وادي مزاب التي فتح الله عليهم من خزائنه بالمال الوفير، فنجد أن السبب الأول راجع إلى اتساع قلوبهم بالإيمان، وتواضعهم لرب الأرباب في نفوسهم، وتضامنهم في الأشغال الجماعية دون أي تمييز بينهم؛ الراعي مع الدكتور، الأجير مع المهندس، الفلاح مع المستورد، الفقير إلى جانب الغني، الشاب مع الكهل، المسؤول الاجتماعي في العزابة أو الأعيان أو العشائر مع الموظف والتاجر، فالكل يعمل في صمت وانتظام وتناسق دائم، وهذا عين الجمال الذي ننشده أيها الكرام الطيبون، وهو السر الذي نبتغيه لتشتدَّ شوكتُنا، ويُصوَّبَ تخطيطُنا واستشرافنا،