الرسول الداعية لبدر العبري
الجزء ١ · صفحة ١٧والنبي – صلى الله عليه وسلم – كان نعم الداعية الذي جمع بين القول والفعل، والداعية – عدا أنبياء الله ورسله – غير معصومين من الوقوع فيما حرّم الله ونهى عنه، ومع هذا الداعية إذا ما اقترف شيئا من القاذورات سرعان ما يئوب إلى ربه وينيب، ويخرّ بين يديه خاشعا متذللا لعظم ما اقترف من الذنوب والآثام.
5. ومن قواعد الدعوة التي أشارت إليها السورة أن لا يغتر الداعية بما حقق من مكاسب، فيظن أنّه قد بلغ الغاية، ووصل إلى القمّة، فيصيبه الغرور، ويعتريه بعد ذلك الكسل، يقول – تعالى -: "ولا تمنن تستكثر"، والأصل في الداعية – كما رأينا – أن يكون قويّ العزيمة، إن حقق شيئا من النجاح علم أّنّه من فضل الله، يقول – تعالى –: "إنّك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين"(1)، ويقول – تعالى -: "وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى"(2).
وعند ما فتح النبي – صلى الله عليه وسلم – مكة المكرمة، وهو أعظم فتح في تأريخ الإسلام دخلها على راحلته متعمما برد حبرة، وإنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله – تعالى – من الفتح، حتى أنّ عثنونه ليكاد يمسّ واسطة الرحل.
هذا هو منهج النبي – صلى الله عليه وسلم – في أعظم حادثة في التأريخ، فكيف بنا اليوم نرى أناسا قرأوا قليلا من العلم، أو مارسوا جزء من الدعوة؛ نراهم يغترون بأنفسهم، ويريدون الصدارة والزعامة في كلّ أمر، فهؤلاء مصيرهم الفشل، والداعية الحق هو الذي يبذل ويسعى، ويعلم أنّ ما حققه كان بنعمة الله – تعالى -، فيزيده شكرا وخضوعا لله – جلّ في علاه -.