السيرة النبوية لبوحجام محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السيرة النبوية لبوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٠

في هذه الخطّة دروسٌ كبيرةٌ مُهِمَّةٌ في التَّدبيرِ. فالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَخْفَى أمرَه على النّاس حتّى لا تَفْسُدَ خطّتُهُ في المغادَرَةِ. حتّى الأشخاص الذين أَعْلَمَهُمْ بما عَزَمَ عليه،لم يُطْلِعْهُمْ إلاّ على ما هو ضروري معرفتُه. كما استعان بدليلٍ خبيٍر بطرقِ الصّحراء؛ حتّى يَبْتَعِدَ عن أنظار المشركين الذين يريدون القضاءَ عليه. ونَظَرَ إلى الكِفايَةِ وحْدَها، فلم يَمْنَعْ كَوْنُ الدّليلِ مشركًا من الاستِعانَةِ به في حِمايَةِ الدّعوةِ الإسلاميّة. كما أَعْطَى لنا الرّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ درسًا في البَذْلِ في سبيل الله؛ إِذْ لم يقبل أن يُعْطِيَ له أبو بكر الرّاحلةَ بدون مُقابل؛ لأنّ الإنفاق في هذه الهجرة نوعٌ من العبادة، يجب الحرصُ على الحصولِ على الثّواب فيه. هذا ما يجِبُ على المسلم أن يَعْمَلَ بهِ في حياتِهِ. يُسارِعُ في الإنْفاقِ والبَذْلِ في سبيل الله.

في هذا تَذْكُرُ أسماءُ بنتُ أبي بكر أنّه لَمَّا خَرَجَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم، وخَرَجَ معه أبو بكر، وقَدْ أخذ مالَهُ كلَّهُ معه، ومجموعُهُ خمسةُ آلاف أو ستّةُ آلافِ درهمٍ. قالت: فدخل علينا جدِّي " أبو قحافة "، وقد ذَهَبَ بصرُه، فقال: والله إنِّي َلأَرَاهُ قد فَجَعَكُمْ بمالِهِ مع نَفْسِهِ، قلتُ كلاَّ يا أبتِ، إنّه تَرَكَ لنا خيرًا كثيرا. قالت: فأخذتُ أحجارًا فوضعتُها في كُوَّةٍ في البيتِ الذي كان أبِي يضعُ مالَهُ فبها، ثمّ وضعتُ عليها ثَوْباً، ثمّ أَخذْتُ بيدِه، فقلتُ: يا أبتِ ضعْ يدكَ على هذا المال. قالت: فوضعَ يدَهُ عليه وقال: لا بأسَ إذا كان تركَ لكم هذا فقد أحْسَنَ، وفي هذا بلاغٌ ( كِفايَةٌ) لكم. قالت أسماء والله ما تَرَكَ لنا شيئًا، ولكنِّي أردتُ أن أُسْكِتَ الشِّيخ بذلك.

١٠ / ٣٠