السيرة النبوية لبوحجام
الجزء ١ · صفحة ١٨لَمّا أصبحَ قريبًا منهما عثَرَتْ به فرسُهُ، فقامَ عنها، وأَصَرَّ على المُتابَعَةِِ؛ لأنّه طامعٌ في الجائزةِ. فلمّا دَنَا ساختْ ( غَاصَتْ ) به قوائِمُ فرسِه ِ في الرِّمالِِ فخرَّ ( سَقَطَ ) عنها، ثمَّ زجرها ( حثَّها على السُّرْعَةِ ) فَنَهَضَتْ. فلم تكَدْ تُخْرِجُ قَوَائِِمَها حتَّى سَطَعَ غبارٌ، ارتفَعَ في السّماءِ مثل الدُّخانِ، فعلِمَ سراقةُ أنّه ممنوعٌ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وداخلهُ رُعْبٌ كبيرٌ، وطَلَبَ من المهاجرينِ الأَمانَِ.
حين وصل سراقَةُ عند رسولِ الله عليه الصَّلاة والسّلامُ اعتَذَرَ إليهِ وسألَهُ أن يستغْفِرَ له، ثمَّ عرَضَ عليه وعلى أبي بكر الزَّادَ والمتاعَ، فقالا له: لا حاجةَ لنا، ولكن عَمِّ عنَّا الخبر ( أَخْفِ )، فقال: كُفِيتُمْ. ثمَّ عادَ سراقةُ أَدْرَاجَهُ إلى مكّةَ، فَأَصْبَحَ يَصْرِفُ أنْظارَ النَّاسِ عن الرّسولِ صلّى الله وسلّم وَمَنْ مَعَهُ.
هكذا تَكونُ عنايةُ الله حاضرَةً، تحرُسُ رسول الله عليه الصّلاة والسّلامُ، وهكذا أراد الله بِسُراقَةَ خيرًا، فصرفَهُ من موقفِ الشَّرِّ إلى موطنِ الخيرِ. انْطلَقَ صباحًا يريد الشَّرَّ بالمُهاجِرَيْنِ، وإلحاقَ الضَّرَرِ بالدّعوةِ الإسلاميّة، وعادَ في المساءِ يَحْرُسُ الرّجلينِ، ويخدُمُ الرّسالةَ المحمديّة. سُبْحانَ اللهِ مُغيَِّر الأَحْوالِ.
واصلَ الرّسولُ عليه الصّلاةُ والسّلامُ وصاحِبُهُ الطّريقَ نَحْوَ " يثربَ "، وفي أثناءِ ذلك نَزَلاَ في خَيْمَةٍِ لامْرَأَةٍ خُزاعيَّةٍ، تُدعَى " عاتكة بنت خلف " وتُكنَّى " أمَّ مَعْبَد "، لأخْذِ قِسْطٍ من الرّ … احةِ. طَلَبَا من المرأَةِ القِرَى ( الضِّيافة ) فقالت: واللهِ ما عندنا طعَامٌ ولا لنا مِنْحَةٌ ولا لنا شاةٌ إلاّ حائلٌ ( الشَّاة التي انقطعَ لبنُها ).