السيرة النبوية لبوحجام
الجزء ١ · صفحة ١٩نظَرَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم في رُكْنِ الخيمَةِ شاةً، فقال: ما أخبارُ هذه الشّاةُ يا أمَّ معبد؟ قالت: شاةٌ خلَّفها الجهْدُ عن الغنَمِ، فقالَ: هل بها من لبنٍ؟ قالت: هي أجهَدُ من ذلكَ. فقال: أَتَأْذَنينَ لِي أنْ أحْلِبَها؟ قالت: نعمْ بأبي وأمّي، إنْ رأَيْتَ بها حَلبًا فاحْلِبْها، فمسَحَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بيدِهِ على ضَرْعِها، وسمَّى الله َودعاِ فدرَّتْ لَبَنًا كثيرًا، فدعا بِإِنَاءٍ يكفِي جماعةً، فحلبَ فيهِ حتَّى علتْهُ الرَّغْوَةُ، فسقاها، فشرِبَتْ حتَّى رَوِيَتْ، وسقَى أصْحابَهُ حتّى رَوَوْا، ثُمَّ شرِبَ، وحَلَبَ فيهِ ثانيًا، حتَّى ملأَ الإناءَ. ثمّ انصرفَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابُه، وتابعوا سيرهم نحوَ " يثرب ".
رجعَ زوجُ أمّ معبِد يسوقُ أَعْنُزًا عجافًا (هَزِيلَة)، فلمّا رأَى اللَّبنَ عَجِبَ، فقالَ: من أيْنَ لكِ هذا ولا شاةَ حَلوبَة في البيتِ؟ فقالتْ: لا واللهِ إلاّ أنّه مرَّ بِنَا رجُلٌ مُبارَكٌ،كانَ من حديثِهِ ما هو عذْبٌ جميلٌ، ومن حالِهِ ما هو حسنٌ، قال: إنِّي والله أراهُ صاحِبَ قريشٍ الذي تطلٌبُه. صِفِيهِ لي يا أمَّ معبد، فوصفتْهُ بصفاتِهِ الرّائِعة، بكلامٍ رائعٍ جميلٍ. وقال بعد أن فَرَغَتْ المرْأَةُ مِنَ الوصْفِ: ولو صادفتُهُ لالْتَمَسْتُ أنْ أَصْحَبَهُ، ولأَجْهَدَنْ إنْ وجدْتُ إلى ذلِكَ سبيلاً.
استَأنَف ركبُ الرّسول عليه الصّلاةُ والسّلامُ سيرَهُ نحو الوِجْهَةِ التي كان يقصدها. وكان المهاجرون والأنصارُ قد علموا بخروجِهِ عليه الصّلاةُ والسّلامُ من مكّة وهجرتهِ إلى " يثرب ". وكانوا يخرجون إلى خارجِ المدينة ينتظرون تحتَ لَفْحِ الشَّمسِ وُصولَهُ؛ حتّى إذا أَوْشكَ النّهارُ على الانْتِهاءِ عادوا إلى بيوتِهم، لِيَرْجِعُوا إلى الانْتِظَارِ صباحَ اليومِ الثّاني، وهكذا ظلُّوا على هذه الحالِ حتّى وَصَلَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم وركبُه.