السيرة النبوية لبوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٢أَرادَ كلُّ واحِدٍ مِنَ الصّحَابَةِ أَنْ يَظْفَرَ بجِوَِار رسولِ الله عليه الصّلاةُ والسّلامُ، وإيوائِهِ في بَيْتِهِ؛ لِينَالَ بركتَهُ، ويحصُلَ على الفضلِ، فضلِ خِدْمَةِ الرّسولِ صلّى الله عليه وسلّم. هذا كُلُّهُ دليلٌ على الإيمانِ وَمَحَبَّةِ الله ورسولِهِ. إنَّ هذا طبعُ المؤمن الصّادق. الذي قال عنه خيُر البشريّة: ( لا يؤمِنُ أحدُكم حتّى أكونَ أحبَّ إليه من وَلَدِهِ ووالِدِهِ ونفسِه و النّاسِ أَجْمَعينَ ). فإذا كانَ الحظُّ معِ أبِي أيّوب، فآوَى رَسولَ صلّى الله عليه وسلّم في بيته، فإنّ بقيّةَ الصَّحابَةِ كانَ لهَمُ ُالأَجْرُ لِنيّتِهِم في الظّفرِ بِهذا الخَيْرِ، وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى.
مَحَبَّةُ الصَّحابَةِ لِرَسولِِهِم لَيْسَ لها حدودٌ، ولم يكنْ لها مظهرٌ واحدٌ. لقد كانوا يَفْدونَهُ بِكُلِّ ما يَمْلِكونَ، وَيَحْرِصونَ علَى تَوْفيرِ الرَّاحَةِ له. يقولُ أبو أيّوب الأنصاري: لَمَّا نزلَ رسولُ الله في بيتِي، أَقامَ في السَّفْلِِ، وأنا وأمُّ أيّوب في العُلوِّ، فقلتُ: يا نبيّ اللهِ! بأبِي أنتَ وأُمّي إنِّي لأَكْرَهُ وأعظمُ أن أكونَ فوقكَ، وتَكونَ تَحْتِي، فاظْهرْ أَنْتَ فَكُنْ في العُلُوِّ، وَننزلُ نحنُ ونَكونَ في السَّفْلِ. أيُّ أَدَبٍ رفيعٍ يُظْهِرُه الصّحابةُ لنبيِّهم، الذي يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَه، وأيُّ خُلُقٍ كَريمٍ يُبْديهِ أَبُو أَيُّوب لِرَسولهِِ الكريمِ، إنّها تَرْبِيَةُ المَدْرَسَةِ المُحَمّديةِ، وَتَزْكِيَةُ التّوْجِيهِاتِ الإسْلامِيّةِ.
لَمْ يَكُنْ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم أقلَّ أَدَبًا، ولا أَقلَّ رحمةً وشفقةً على أَصْحابِهِ مِنْهُمْ- وهو القدوةُ والأسوةُ في ذلك – فَقَدْ أَجابَ أَبَا أيّوب قائلا: إِنَّهُ لأَرْفَقُ بِنَا، وبِمَنْ يَغْشَانَا أنْ نَكُونَ في أسفَلِ البِيْتِ.