السيرة النبوية لبوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٣مع ذلك كانَ أبو أَيّوب يخافُ أَنْ يَلْحَقَ الرّسولَ صلّى الله عليهِ وسلّم أيُّ ضررٍ؛ بِسَبَبِ وُجودِهِ أسفلَ البيتِ، وكان يحتاطُ لذلك كلّ الاحْتِياطِ؛ حُبًّا له وشفقةً عليه. وقد حَدَثَ ما كانَ يَخْشاهُ أبو أيّوب. يَقولُ: لَقَدْ انْكَسَرَتْ جرّةٌ لنا فيها ماءٌ، فقُمْتُ أنا وأمُّ أيّوب بِقَطيفَةٍ لَنَا، ما لنا لِحافٌ غيرها، نُنَشِّفُ بها الماءَ؛ تخوُّفًا أنْ يقطُرَ على رسولِ الله مِنْهُ شيءٌ يُؤْذيهِ. فنزلْتُ إليهِ وأنا مُشْفِقٌ (خائِفٌ) . فلم أَزَلْ أَستَعْطِفُهُ حتّى انتقلَ إلى العلو.ّ
ذَكَرَ أبو أيّوب – أيضا – قِصّةً تدلّ على تعلّقِهِ بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والرّغبةِ في نيلِ بركاتِه. قال: وكنّا نَصْنَعُ لَهُ العَشَاءَ، ثمّ نَبعثُ بِهِ إليهِ، فإذا رَدَّ عَلَيْنَا فَضْلَهُ تَيَمًّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أيّوب موضِعَ يدِهِ، فأَكَلْنا منهُ، نَبْتَغِِي البركةَ، حتّى بعَثْنا إليْهِ ليلَةً بعَشائِهِ، وقد جَعَلْنَا فيهِ بَصَلاً أو ثومًا، فردَّهُ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم أَرَ لِيَدِهِ فيهِ أثَرًا، فجِئْتُهُ فَزِعًا، فقلتُ: يا رسولَ الله! بأبِي أَنْتَ وأُمِّي رَدَدْتَ عَشَاءَكَ، ولَمْ أَرَ فيهِ موضِعَ يدِكَ، وكنتَ إذَِا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا تَيَمَّمْتُ أنا وأمُّ أيّوب موضِعَ يدِكَ، نَبْتَغِي البركةَ، قال: " إنِّي وجدْتُ فيهِ ريحَ هذه الشّجرةِ، وأنا رجُلٌ أُناجِي، فأمَّا أنتُم فَكُلُوهُ ". قال: فَأَكَلْناهُ، ولم نصنعْ لهُ تلكَ الشّجرةَ بعد.
# استِقرار الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام في المدينة
استقرّ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم في " يثرب "، التي سمّاها " المدينة "، وفيها سَيَبْنِي مجتمعًا جديدًا، وفيها سيُؤَسِّسُ القواعدَ التي يضعُ عليها بناءَ هذا المجتمع؛ لهذا بدأَ بأَعمالٍ ثلاثة، هي الأُسُس في هذهِ الدّولة الإسلاميّة التي أنْشأَها: