السيرة النبوية لبوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٥أَقامَ الرّسولُ عليه الصّلاةُ والسّلامُ هذا الإخاءَ على أساس تُمْحَى فيه كلمةُ " أنا " وتُثْبَتُ كلمةُ " نحن ". ويتحرَّكُ الفردُ في المجتمعِ بِروحِ الجَماعَةِ، حَامِلاً شِعارَ " مَصْلَحَة الجمَاعَةِ قَبْلَ مَصْلَحَةِ الفَرْدِ " أَسّسَ الرّسولُ عليه الصّلاة والسّلام هذه الأخوّةَ لِيُزيلَ عن طريقِ المسلمين الحَمِيّةَ الجاهليّةَ والعَصَبِيَّةَ القَبَليّةَ، ولا تَبْقَى سوى روحِ الإسلامِ تُسَيِّر شؤونَ المؤمنين.
نَجَحَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم في بِناءِ العَلاقَةِ بَيْنَ المهاجرين والأنصارِ على أُسِّ الثّقةَ والمحبّةِ والإيثارِ والمُواساةِ. فقد استقبلَ الأنصارُ إخوانهَم المهاجرين أحْسنَ استقبالٍ، وآثروهم على أنْفِسِهم في كلّ شيءٍ. وقد نَزَلَ القرآنَ الكريمُ، يُسَجِّلُ هذه المَكْرُمَةَ للأنصارِِ: ﴿ والذينَ تبوؤُوا الدّارَ والإيمانَ من قَبْلِكُم يُحبُّونِ من هاجَرَ إليْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهم حاجَةً ممَّا أُوتوا ويُؤْثِرونَ على أنْفُسِهم ولو كانَ بهِم خَصاصَة ومنْ يُوقَ شُحَّ نفْسِهِ فأُولئكَ همُ المُفْلِحونَ ﴾ ( الحشر، الآية: 33 )
وقدَّر المهاجرون هذا البذَْلَ الخالِصَ، وهذا الإيثار الصَّادقَ، فما استَغلُّوهُ ولا أخذوا منه إلاّ قَدْرَ ما يُعِينُهُم على سدِّ حاجاتِهِم الضَّرورية، أو ما يُساعِدُهُم على العَمَلِ الشّريفِ. رَوَى البُخارِي أنّه لَمَّا قَدِمَ المهاجرون إلى المدينة آخَى الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم بين عبدِ الرّحمن بن عوف وسعدِ بنِ الرَّبيعِ، فقال سعدُ لعبدِ الرّحمن: إنِّي أكثرُ الأنصارِ مالاً، أَقْسِمُ مالِي بينِي وبينَكَ نصفينِ، ولِي امرأتانِ، فَانْظُرْ أعْجَبَهما إليك، فسمِِّها لِي أُطلِّقْها، فإذا انْقَضَتْ عِدَّتُها فَتَزَوّجْهَا. قال عبدُ الرَّحمن: باركَ الله لك في أهْلِكَ ومالِك، أَبنَ سوقُكم؟