السيرة النبوية لبوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٦فَدَلُّووهُ على سوقِ " بني قنيقاع "، فما عادَ إلاّ ومَعَهُ فضلٌ من أَقِطٍ ( لبن محمَّض يجمَّد حتَّى يستحجر ويطبخ ) وسمنٍ، ثمّ رَجَعَ مرّة أخرى إلى السُّوقِ بل مرّاتٍ، ثمَّ جاءِ يومًا وبه أَثَرٌ صفرة ( زينة )، فقال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " مهيمْ " ( سؤال عن ماله )؟ قال: تَزَوَّجْتُ. قال: كَمْ سُقْتَ لها؟ قال: نَوَاةٌ وَذَهَبٌ.
في سَمَاحَةِ " سعدٍ " وكرَمَهِ،ِ وفي عِفَّةِ " عبدِ الرّحمن " ونُبْلَهِ وعِزَّةِ نَفْسِِِهِ، تَتَجلَّى حَقِيقَةُ الإسلامِ. إنّ المؤاخاةَ التي أَقامَها الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم بين المهاجرين والأنصارِ ،لم تكن لِتَرْفَعَ أحدًا على الآخَرِ، ولا أَنْ يِسْتَغِلَّها الطّرفُ الموسِرُ ليُذِلَّ بها الطّرَفَ المُحْتاجَ. ولا أن تَتْرُكَ المُنعَمَ عليه يَرْكَنُ أو يميلُ إلى الرّاحة، فَيُحَطَِّم كَرامَتَهُ بالتذلُّلِ. فعبدُ الرّحمن بن عوف قَصَدَ السّوق وجَدّ، فَحَصَّل نجاحًا في تِجَارَتِهِ، أكسبتْهُ مالاً وفيرًا، زاحمَ بها اليهودَ في سُوقِهِم، وحَفِظَ لِنَفْسِِِهِ كَرامَتَهَا وعِفََّتَها. إنَّ عُلوُّ الهمَّة هِيَ مِنْ أَخْلاقِ الإسلام، الذي يُرَبِّي عليهِ المنتسبين إليه.
إنَّ المؤاخاةَ جَعَلَت الأنصارَ والمهاجرين أمام مسؤولية خاصَّة من التّعَاوُنِ والتّنَاصُرِ والمؤَانَسَةِ. إنَّها هي التي تضْمَنُ وَحْدَةَ الأمّةِ. وكلُّ جماعةٍ لا نؤلِّفُ بينها رابِطََةُ المودَّةِ والتَّآخي الحقيقيّةُ لا يمكِنُ أن تتَّحِدَ حولَ أيِّ مبدَأ.
ثالثا: كتابةُ وثيقة بين المسلمين وغيرهم