الدعوة ماضيا وحاضرا ومستقبلا مصطفى بن محمد شريفي

الدعوة ماضيا وحاضرا ومستقبلا لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٤

إِنَّ الإِبَاضِيَّة كانوا يسمون بأهل الدعوة، ولم يكونوا يطلقون عَلَى أنفسهم اسم الإِبَاضِيَّة إِلاَّ بعد القرن الثالث الهجري (وأولهم عمروس بن فتح في الدينونة الصافية، عند المغاربة)، وَهَذِهِ نماذج من الدعاة في مختلف العصور، من القرن الأَوَّل والثاني، إِلىَ الخامس والسادس، إِلىَ القرن الرابع عشر.

أ- أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة:

هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي القفَّاف (ت ~: 145هـ/ 762م)، كان آية في الذكاء، أوتي المقدرة والكفاءة في التنظير، وحسن التدبير؛ سياسيٌّ محنك، وعالم جليل، عرفت الإباضية على يديه أكبر إنجازاتها السياسية في المشرق والمغرب. أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد الأزدي، وعن كثير من الصحابة، كجابر بن عبد الله الأنصاريُّ، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وابن عَباس، وأبي سعيد الخدريُّ، وعائشة أمُّ المؤمنين. وطَّن نفسه على طلب العلم والاستفادة منه، فقد مكث في التعلُّم طالبا أربعين سنة، ثمَّ مكث بعد ذلك في التعليم أستاذا أربعين سنة أخرى.

ونظرا لنشاطه الدؤوب تعرَّضت له عيون الحجَّاج بن يوسف الثقفي، فأدخله سجنه، ولم يخرج منه حَتى هلك الحجَّاج سنة 95هـ/713م، فأفرج عنه ليعود إلى نشاطه العلميِّ والدعويِّ. تولَّى الإمامة العِلمِيَّة وَالسِّيَاسِيَّة للإباضية بعد جابر بن زيد، إذ أنشأ مدرسة في سرداب قرب البصرة، بعيدا عن عيون بني أمية. وإمعانا في التمويه ادَّعَى صنع القِفاف وتعليمها حَتى سُمِّيَ بالقفَّاف. شكَّل شبه حكومة سرِّية، تولَّى فيها بنفسه مهامَّ شؤون الدين والدعوة.

٤ / ٢٠